اصداء الذاكرة

6 سبتمبر  2012


يتحدث السيد عبدالعزيز الشايع بألم، وإن خفي، عن تجربته السياسية القصيرة عام 1964 عندما دخل الوزارة، وكيف اضطر للاستقالة نتيجة الصراع داخل البعض من الأسرة، وكيف استخدم طرف منها المادة 131 من الدستور، التي تمنع الجمع بين الوزارة والعمل التجاري، لنسف التشكيلة الوزارية، لأن مطالبه لم تلبَّ، وكيف استقال هو ورفاقه، ورفضوا العودة عن استقالاتهم، بالرغم من كل ما تعرضوا له من اغراءات وضغوط، وذلك لقناعتهم بصعوبة العمل مع بقية الوزراء الذين تسببوا في المقام الأول، ومن دون وجه حق، في رفض وجودهم في مجلس الوزراء! ويقول ان موقفهم كان صحيحا فقد تضمنت وزارات سابقة تجارا، استقالوا من أعمالهم التجارية فور توزيرهم، كما تنص المادة 131، كما تشكلت وزارات بعد استقالاتهم وتضمنت وزراء تجاراً، وبالتالي كانت المسألة صراعا وليست خلافا على نص دستوري! وكأن التاريخ يعيد نفسه بعد نصف قرن!

ويشير السيد الشايع في كتابه «أصداء الذاكرة» الى دور بالغ الحيوية بذله الجنرال الإنكليزي هستد، الخبير في تنظيم المدن، الذي كلفه الشيخ عبدالله السالم بإعداد دراسة تشمل إعادة تنظيم الكويت، وكان ذلك قبل 60 عاما! وان هستد خدم الكويت أفضل خدمة، وهو الذي خطط الشامية والشويخ والدسمة وكيفان، ورسم الشوارع الدائري الأول وحتى الرابع وخصص مناطق الشويخ الصناعية والشويخ ومنطقة المستشفيات والدفاع، وكان تخطيطه مثاليا، فقد ابعد الصناعة عن السكن واتاح التوسع سكنيا عند الحاجة بنقل مكاتب الدفاع ومعسكرات الجيش الحالية إلى مكان آخر، ووضع في كل منطقة سكنية مركزا لكل خدمات اهالي المنطقة مما جعلها نموذجية بحق، وهو امر نادر الوجود في الدول الأخرى. (ومع هذا، وهذا كلامي، لم يهتم احد بتسمية «سكة» صغيرة باسم هستد، في الوقت الذي أطلقنا فيه اسماء من هب ودب على شوارع مدننا، ربما لأنهم امتلكوا يوما كراجا أو حظرة صيد سمك أو جاخورا، أو كان نائبا سيئ السمعة!).

نعود ونقول ان أسس بناء الكويت القديمة التي خرجت منها الدولة الحديثة لم تكمن فقط في قدرة اهلها على العمل الشاق والسفر البعيد والمخاطرة في البحر والاغتراب الطويل، بل وأيضا بما تميزوا به من تقاليد أخلاقية صارمة، وكان من النادر سماع قصص تتعلق بالغش والتزوير والسرقة بينهم، بالرغم من أن غالبيتهم كانوا من الفقراء المعدمين. وكان صاحب المركب الشراعي أو البخاري يحمل اموالا طائلة وبضائع ثمينة ويسلمها لأصحابها كما هي من دون ان تسجل حادثة سرقة واحدة طوال مائة عام او أكثر. وبالتالي ما تحتاج له الكويت الحديثة هو العودة للنظام الأخلاقي الذي كان سائدا، وهذا لا يمكن تحقيقه من دون تضمين المناهج الدراسية مواد تتعلق بتدريس الأخلاق، التي ان هي ذهبت، وهي بالفعل قد ذهبت، فستذهب معها الأمم.