اللحوم والأخلاق !!

11 سبتمبر  2012


عانى الكثيرون وخسروا، ودون سبب منطقي، نتيجة تعاملهم بـ«استقامة» في تجارة المواد الغذائية، ولم تكن الخسارة نتيجة الشراء والبيع، بل بسبب تخلف إجراءات ترخيص المواد الغذائية المستوردة. فقد كنت، وربما لا أزال، وإن بصورة غير مباشرة، أستورد سنوياً مئات الأطنان من الأغذية، التي لا يجوز بيعها دون موافقة البلدية عليها، وهي الجهة المسؤولة نفسها عن جمع القمامة ودفن الموتى! وهنا يتطلب الأمر تسليم عينات، وتكون في أحيان كثيرة كبيرة، دون سبب مفهوم. وأحياناً تضيع العينات، ويطلب غيرها، ولا يحق لأحد الشكوى، وتظهر النتائج بعد أسبوعين أو أكثر، وأحياناً تضيع، أو يتطلب تحويلها للصحة، وتتأخر الموافقة أكثر، ويتكلف المستورد الكثير ويتأخر في تصريف بضاعته، وكل هذا يحمّل في النهاية على القيمة! ولا أبالغ إن قلت إن العملية تستغرق أحياناً شهراً أو يزيد. وهنا «قد» يجبر الأمر البعض للجوء للطرق «السهلة» لترخيص بضائعهم، وأسباب ذلك معروفة. وقد حاولت أكثر من مرة لفت نظر وزير البلدية للأمر، وكان ذلك قبل تنازلي عن الإدارة، ولكنه فضّل عدم الرد على مكالماتي ورسائلي الهاتفية، ربما لانشغاله بمحطة مشرف! وفي هذا السياق، نشرت القبس مجموعة تحقيقات تتعلق بالأغذية الفاسدة، وبالرغم من نجاحها النسبي، فإن المشكلة لا تزال في مكانها، ولفهم أكبر للوضع المتخلف الذي نعيشه، يجب أن نعرف أن الجهة المسؤولة عن فحص الأغذية هي بلدية الكويت، بكل فسادها وتخلفها. وبالرغم من كل ما قامت به من تطوير لمرفق الفحص، واستعانتها أحياناً بمختبرات الصحة، فإن ذلك لم يسرّع من الحل، وربما عقّد الأمور أكثر. كما أن فرق التفتيش تقوم بعملها، وهي تفتقد كل وسائل الفحص الحديثة، معتمدة على النظرة المجردة والشم واللمس! وهذا، في أحيان كثيرة، غير كاف! وبالرغم من طنطنتنا بالديموقراطية، فإن أي مشرّع لم يفكر يوماً في وضع قوانين واضحة وبسيطة لعملية استيراد المواد الغذائية وتخزينها واستهلاكها وتقديمها، ولا يبدو أن الحكومة هي الأخرى في عجلة من أمرها هنا. وهنا يقترح صديق تزويد مفتشي البلدية بأجهزة فحص محمولة، يمكنها الكشف عن مكونات المأكولات، وضبط الفاسد منها، أو المحرّم من المواد المستخدمة فيها، وذلك في فترة لا تزيد على نصف ساعة. كما يقترح القيام بحركة تجديد شاملة لموظفي وأجهزة إدارة فحص المواد الغذائية المستوردة. والحقيقة أن كل هذا جميل ومفيد، ولكن لا معنى له في ظل التسيّب الأخلاقي الذي تعيشه البلاد! فالمشكلة ليست في الأجهزة ولا في الإجراءات بقدر ما هي في النفوس. ففي ظل انعدام الخلق وترهل الإدارة، وغياب الموظفين المتكرر وغير المبرر في كل مناسبة دينية وغيرها، تصبح مسألة شراء أجهزة جديدة أو تطوير إجراءات الفحص والكشف غير ذات قيمة. فوزارة الصحة مثلاً استقدمت واستخدمت أفضل وأحسن الأجهزة الطبية المعروفة في العالم، ولكن ذلك لم يمنع الخدمة الطبية من التدهور في البلاد، لأن الخلل في النفوس الفاقدة للخلق، وليس في الأجهزة الصماء والإجراءات الأكثر صمماً!

والآن، هل هناك أمل في أن نزيد من جرعة الدروس الأخلاقية في مدارس الدولة العامة والخاصة، وتقليل جرعة الدروس الدينية؟ فما لدينا من تدين يفيض على العالم أجمع، أما الأخلاق، فحدّث ولا حرج!