كيف نتحضر

13 سبتمبر  2012


لا أعتقد أن في الحياة أمرا بصعوبة تربية طفل، والأصعب أن نكون قدوة حسنة له! فقد نكون آباء وامهات طيبين وكرماء ونمتلك كما هائلا من الحنان والنصائح التي نسديها لأطفالنا، ولكن ليس سهلا أن نقرن القول بالفعل، فسهل أن نلقي محاضرة في الأخلاق ونبين مساوئ الكذب، ولكن يجب ألا نلتزم بالصدق في حياتنا. وسهل أن نبين لهم، بالحجج والبراهين، مضار التدخين، ولكن الأصعب أن نمتنع نحن عن التدخين، فالطفل يتأثر ويتعلم بالإيحاء وبطريقة غير مباشرة، أي بالتقليد، أكثر من تعلمه مباشرة وبالوعظ والإرشاد.

في اربعينات القرن الماضي سيطر رجل العصابات آل كابوني على مدينة شيكاغو. وكان يساعده المحامي إيزي إدي، الذي نجح دائما في تخليصه من أكبر التهم واشد العقوبات، وانقاذه من الإعدام مرات عدة في تهم قتل وسطو خطرة، وقد دفع له «آل» الكثير مقابل خدماته، ومكنه من العيش برفاهية لا متناهية، ودفعت هذه المحامي الشهير لغض النظر عن جرائم موكله وسيده، والتي كان يعلم بتفاصيل الكثير منها. كان لـ«إيزي إدي» طفل وحيد، وكان شديد التعلق به، يغدق عليه الكثير ولم يبخل عليه بشيء. وبالرغم من تورط الأب في جرائم عصابات آل كابوني، وإن بصورة غير مباشرة، فانه حاول جاهدا أن يبين لابنه الفرق بين الحق والباطل والصواب والخطأ، وكان يرغب في داخله أن يكون قدوة حسنة، وكان يشعر بأن ابنه لا بد انه سمع في الشارع والمدرسة بسمعة أبيه السيئة ودوره في التستر على جرائم كبيرة، ولكن «إيدي»، بالرغم من كل ثرائه ونفوذه، لم يستطع يوما ان يعطي ابنه السمعة الحسنة! وفي يوم قرر، تحت تأنيب الضمير، ولكي يعطي ابنه السمعة التي طالما افتقدها، ذهب للسلطات ووشى بكل جرائم «آل كابوني»، وكان يعرف المصير الذي ينتظره، حيث دفع في النهاية حياته ثمنا غاليا لموقفه الوطني، ولكنه شعر أنه ترك خلفه إرثا طيبا لابنه.

وفي جانب آخر من القصة، وبعدها بسنوات، تلقى بتش أوهيرا، الطيار على حاملة الطائرات «ليكسنغتون»، تعليمات بالاستعداد للمشاركة في طلعة جوية فوق المحيط الباسيفيكي، واثناءها تبيّن لبتش أن أحدا ما نسي تعبئة خزان طائرته بالوقود، فأعلم قائد السرب بالأمر فطلب منه هذا العودة. وأثناء استعداده للهبوط شاهد سربا من المقاتلات اليابانية تتجه نحو سفن الأسطول، ولم يكن هناك من يحميهم أو ينذرهم بالخطر، كما لم يكن بإمكانه العودة للسرب وإعلامهم بالأمر، فالوقت ضيق جدا، وعليه أن يتصرف، وهنا قرر التصدي منفردا للطائرات المعادية، وشكل ظهوره المفاجئ صدمة للمهاجمين، حيث انقض على تشكيلاتهم وشتتها، ثم عاد واصاب طائرتين واسقطهما، وعندما شعر بأن ذخيرته قد نفدت قرر استخدام اجنحة طائرته وجسمها في توقيع إصابات أخرى بالطائرات المعادية، ونجحت محاولاته الانتحارية في دفع قائد السرب الياباني لتغيير وجهتهم والعودة من حيث أتوا. تمكن بتش بعدها من الهبوط بسلام على ظهر الحاملة، ليروي بالتفصيل ما واجهه، ولكن الكاميرا التي كانت على مدفع طائرته بينت انه نجح منفردا في إسقاط خمس طائرات وليس اثنتين، كما كان يعتقد. أصبح بتش بطلا قوميا، ولكن بعدها بعام مات في غارة جوية! لم تنس مدينته شجاعته وفضله، فقد اطلقت اسمه على مطارها، والذي أصبح يعرف بــ«اوهيرا الدولي»، وهو ثالث أكبر مطار في أميركا! و«بتش أوهيرا» لم يكن غير ابن المحامي «إيزي إيدي»، الذي لو لم يكن يوما قدوة حسنة لابنه، لما كسبت اميركا بطلا قوميا رائعا!

هكذا تبنى الأمم بالأخلاق، وليس بالضرب بالنعل، أو حتى بخرقة على الرأس!