شيء من العقل !

17 سبتمبر  2012

نحتفظ بصداقات وعلاقات مع البعض ليس بدافع المحبة دائما، بل لوجود حاجة مادية أو نفسية لاستمرار تلك العلاقة! وبالتالي من الغباء التفريط بها من دون إيجاد بديل عنها. فنحن نساير ونجامل رؤساءنا مثلا، ومن الخطأ أن ننفعل ونستقيل من عملنا بمجرد توجيههم كلاما نعتقد أنه يمس «كرامتنا»، إن لم نكن على ثقة بأن بإمكاننا الحصول على عمل آخر! فقد يدفعنا سعينا لإيجاد عمل بديل، مع بدء قرصات الجوع وإلحاح الأقساط وبكاء الأطفال، لأن نجامل من لا نحترم ونسكت عن الإهانة ونلجأ لذل السؤال، وبالتالي نكون قد فقدنا مصدر رزقنا أولا وكرامتنا لاحقا، فالكرامة لا تكتسب بقوة ردة الفعل على إهانة ما، بل بطريقة الرد وأسلوب الحياة!

نكتب هذه المقدمة تعليقا على ردود الفعل الهستيرية، وغير المتعقلة ولا المبررة، على الفيلم السينمائي الرخيص والتافه الذي انتج في أميركا، والذي تعلق ببعض جوانب من حياة رسول الإسلام. وقد مررنا بتجارب مماثلة من قبل كثورة الرسوم الدانمركية، والتي لم يتمخض عنها شيء، حيث عدنا جميعا للتعامل مع كل حكومات ومنتجات الدول التي نشرت صحفها تلك الرسوم، وكأن شيئا لم يكن، وسبب ذلك لا يعود لـ«قصر موجات ذاكراتنا»، بل لعجزنا البائس عن فعل شيء آخر، فلا حول ولا قوة لنا في ظل عجز صناعي ونقص مياه وتلوث بيئي وتردٍ صحي مخيف، بل خواء وفراغ تام وشامل، وحتى المطالبين باستخدام سلاح النفط، وهو القوة الوحيدة التي يمتلكها بعض المسلمين، ليسوا إلا مجموعة من السذج.

إن المشكلة ليست في مدى ما تتمتع به وسائل الإعلام في الغرب من هامش حرية كبير، وهي الحرية التي تضمنتها دساتير شديدة الثبات، والتي يمكن أن تستغل من اية جهة في اية لحظة، ولا ضمان بالتالي من أن الغرب سيتوقف يوما عن الإساءة لمقدسات الإسلام والمسلمين، أو التعريض بمعتقداتهم، مهما حرقنا وكسرنا من ممتلكاتهم، بل المشكلة في ضعفنا الصحي والنفسي والمادي والعسكري والتقني، وبالتالي من الغباء المفرط التفريط في علاقاتنا بكل من يسيء لنا بهمسة أو لمسة أو كلمة أو رسم أو فيلم تافه، بحجة الدفاع عن كرامتنا ومقدساتنا، فهذه المقدسات لا يتم الدفاع عنها بحرق عشرات السفارات، ولا بقتل مائة سفير وبتر أعضاء ألف دبلوماسي غربي، بل بالسعي الجاد للقضاء على الأمية في دولنا، والتخفيف من وطأة الفقر على مليار مسلم، ودعم اقتصادات العشرات من دولنا، وسد جوع مئات الملايين من شعوبنا، وغير ذلك الكثير. ومؤلم أن تكون الملايين على «أهبة» الاستعداد للتظاهر وحرق وكسر ممتلكات كل من يسيء لمقدساتنا، ولا نتظاهر ولا نأسف ولا نحزن للحالة البائسة التي يعيشها المسلمون.