قصة ولاية الفقيه

20 سبتمبر  2012

يمكن القول، ببساطة تقتضيها المقالة الصحفية، ولكن دون إخلال بالمعنى، أن الشيعة، وبالذات الإثنا عشرية، منقسمون اليوم على موضوع "ولاية الفقيه" فالبعض، كالإمام الخميني، ومن تبعه بعد وفاته، يطالبون بتطبيق ولاية الفقيه، أي ان يكون للشيعة الحق في تأسيس دولة شيعية خالصة، وتولي حكم تلك الدولة حسب الفقه والشرق الشيعيينها، دون انتظار لظهور الإمام الغائب، وإن يكون الولي الفقيه، أو المرشد الأعلى، هو نائب الإمام الغائب ويحكم باسمه! ولكن آخرون يرون، وقد يكونوا الأغلبية، بقاء الوضع على ما هو عليه، اي ان لا يكون للشيعة دور في حكم أية دولة، وانتظار ظهور المهدي، الذي سيملئ الأرض عدلا بعد أن امتلأت جورا. ولكل طرف، بطبيعة الحال، حجته وأسانيده واسبابه!
تعود قضية عزوف الشيعة عن الحكم، حسب فهمي البسيط وقراءاتي المتواضعة، للمرحلة التي تلت مقتل الحسين بن علي عام 56 هجرية، وهو الذي خرج مطالبا بحقه في الحكم كونه حفيد الرسول، بعد تنازل أخيه الأكبر، الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن سفيان. فبعد موقعة كربلاء وما جرى بها من تنكيل وتقتيل بآل بني هاشم ومناصريهم، وما لاقاه ذكور الأسرة من إفناء لم يسلم منه غير "علي بن الحسين"، الذي أصبح تاليا الإمام الرابع للشيعة، وعرف بالسجاد، وامه "شاه زنان"، ابنة الملك الفارسي "يزدجرد الثالث" ابن كسرى!
ولد "علي بن الحسين"، المعروف أيضا بالسجاد، في المدينة عام 38 هجرية، واصبح إماما سنة 61، وتوفى بعدها ب 34 عاما، وكان زاهدا في الدنيا، والحكم بالتالي، وهذا ما طمأن قلب يزيد بن معاوية عليه فلم يتخلص منه قتلا، كما فعل بأبيه وما فعله أبيه بعمه الحسن، وبقية إخوته، ومنهم أخيه "علي الأكبر"، الذي قتل في كربلاء. وقد حضر زين العابدين واقعة "الطف" في كربلاء، وكان مريضا، فطلب "ابن زياد" قتله فتعلقت به عمته "زينب" فعفى عنه، ويقال أنه تنازل تاليا عن الخلافة. وقد عاصر الإمام زين العابدين خمسة من خلفاء بني أمية من معاوية وحتى الوليد بن عبدالملك، مرورا بيزيد ومعاوية بن يزيد ومروان وعبد الملك بن مروان، وتهادن معهم جميعا. ثم جاء بعده ابنه الإمام"محمد الباقر" وطالت إمامته 19 عاما، وبعد ذلك وصلت الرسالة للإمام"جعفر بن محمد الصادق"، أبو عبد الله، وحفيد الإمام زين العابدين.
ولد جعفر الصادق العام 80 هجرية وتوفى في المدينة عام 148هـ، وهو مؤسس فقه المذهب الجعفري، ويلقب الشيعة بالجعفرية نسبه له، ووصف بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب، ويعتبر الإمام السادس لدى كافة طوائف الشيعة، ووالدته هي "أم فروة"، حفيدة الخليفة ابو بكر الصديق، وله من الأبناء إسماعيل، الذي توفى على حياة ابيه، وبالتالي ذهبت الإمامة لأخيه "موسى بن جعفر"، ولكن طائفة من المسلمين رؤوا أن الإمامة كان يجب أن تبقى مع إسماعيل، وبالتالي انحازوا له وعرفوا ب "الإسماعيلية"!
دامت إمامة موسى بن جعفر 35 سنة، وهي الأطول بين كافة الأئمة الاثنا عشر. ثم خلفه ابنه "علي بن موسى الجواد"، وأم الشيعة 20 عاما، وبعده جاء " علي بن محمد" ثم "الحسن العسكري" ثم الأخير، وهو المهدي المنتظر، بعرف الاثنا عشرية، الإمام "محمد بن الحسن العسكري"، ودامت إمامته 6 سنوات، اي من العام 868م وحتى 874 م.
وباختصار فإن جميع هؤلاء الأئمة الإثنى عشر، بخلاف علي بن أبي طالب وابنه الحسين، رفضوا القيادة السياسية على مدى 190 عاما، اي منذ إمامة زين العابدين وحتى إختفاء الإمام محمد بن الحسن، وفضلوا عليها الإمامة الدينية والقيادة الروحية، وبالتالي كانت فكرة الخميني بتولي الولي الفقيه الإمامة نيابة عن الإمام الثاني عشر الغائب، أمرا جديدا، بالرغم من قدم الفكرة نفسها، ولم يلقى رأيه القبول لدى الكثير من القادة السياسيين والدينيين للشيعة الاثنى عشرية، كالسيستاني وقبله شريعتمداري وغيرهم.