مخاطر تشغيل المخ

23 سبتمبر  2012

ردا على مقالاتنا الثلاثة عن اليابان، ودور الأخلاق في تربية الفرد، كتب لي الصديق العراقي الكندي ياملوكي، بـأن أخلاق اليابانيين تأثرت بأنظمة وقواعد «البوشيدو» الصارمة، وأنه كان لتعاليم كونفشيوس دور في صقل الشخصية اليابانية وتهذيبها. وقال انه اكتشف، من خلال تجربة طريفة، كيف تعتمد مدارس الشرق على التلقين، ولا تسمح لا للمناهج ولا لهيئة التدريس بتربية الطفل على النقد الحر، ولهذا نربى لنكون مطيعين خانعين في تصرفاتنا، وقال انه كان يقوم يوما بمساعدة اسرة عراقية مهاجرة على التأقلم مع بيئتها الجديدة، وكان مطلوبا منه اصطحاب مريم الصغيرة إلى مدرستها في يومها الأول. وهناك طلب أن يتحدث مع مدرستها، بعد أن وصل متأخرا لبضع دقائق، فطلبت منه المدرّسة إدخال الطفلة والانتظار قليلا، وانها لا تمانع ان أنصت لدرسها! ويقول ياملوكي انه جلس مصغيا كالطفل في فصل به نحو 20 فتى وفتاة، وهناك اعطت المدرّسة كل واحد منهم تفاحة تختلف عن التي عند غيره، شكلا وحجما ولونا ورائحة، وطلبت من كل واحد أن يصف تفاحته بطريقته الخاصة. وأن يقوموا بشقها إلى نصفين، أو إلى قطع صغيرة، ووصف شكلها من الداخل ورائحتها، وبما تذكرهم، ومقارنة لونها باشياء أخرى، ومن ثم تذوقها ووصف طعمها، ومقارنة ذلك مع ما سبق ان تناولوه من تفاح، وهي حلوة أم حامضة الطعم أم من غير طعم. وعندما انشغل الجميع بالكتابة توجهت المدرّسة صوبه، وسألته عن الكيفية التي يمكن ان تساعده بها، فشكرها، وقال انه جاء ليساعد مريم على التأقلم مع بيئتها الجديدة، ويعتقد بأنه سيصعب عليها في يومها الأول الكتابة، أو حتى التحدث عن لون التفاحة وطعمها وشكلها، وان الدرس صعب عليها! وهنا فاجأته المدرسة بابتسامة رقيقة، وقالت له بلباقة: يا سيد ياملوكي، هؤلاء جميعا طلبة وطالبات قدموا إلى كندا من أنحاء مختلفة من العالم، ومن خلفيات دينية وعرقية متعددة، والدراسات التربوية التي أجريناها أثبتت أن الطفل الشرقي بالذات يأتينا مسلوب الإرادة، يردد ما يلقن له، وليس لديه ادنى قدرة على النقد أو التفكير الخلاق، أو ان يكون صاحب مبادرة أو فكرة أو حتى رأي! بل يعتمد على حفظ الدرس وتكراره، وهذا يحرمهم من ملكية الرؤية النقدية ومن القدرة على اتخاذ القرار في الحياة تاليا، وهذا سبب جمود المجتمعات التقليدية، والعربية الشرقية بالذات! وقالت ان من واجبنا كمدرسين فتح أذهان الطلبة للمعرفة، ودفعهم لاستخدام عقولهم إلى أقصى درجة، والتخلي عما ورثوه من اساليب قديمة! ويقول ياملوكي انه بعد اتفاقه على صحة ما ذكرته المدرسة، طلبت هذه منه أن يشرح الوضع لأسرتها، بلغتهم، لكي يستوعبوا أكثر طريقة التدريس الحديثة، والتي تختلف عما اعتادوا عليه سابقا.

ذكرتني قصة الصديق ياملوكي بحادثة جرت لي في منتصف الستينات، عندما كنت أعمل نهارا وأدرس ليلا في ثانوية كيفان، فقد تبين لي وجود تناقض واضح بين مادتين من المقرر، فإحداها تقول ان الفضل في أمور كثيرة يعود إلى الحضارة اليونانية القديمة، والأخرى تقول ان الفضل يعود إلى علماء المسلمين. وقد جادلت مدرسيّ المادتين في هذه النقطة، وكيف ان علينا أن نشغل عقولنا، من خلال ورشة عمل، لمعرفة أي الجهتين لها الفضل، وأن نتوصل إلى الحقيقة من دون إخلال بمادة المقرر، بل لكي نرضي فضولنا فقط! لم تعجب فكرتي أيا من المدرسَين واعتبرا الأمر تدخلا في أسلوب التدريس، وفوجئت في اليوم التالي، باستدعائي إلى مكتب الناظر لمقابلة اثنين من رجال المباحث، أو أمن الدولة، لسؤالي عن الهدف من أسئلتي! فشرحت لهما الأمر، وبينت التناقض بين الكتابين، فهزّا راسيهما وتركاني! وعلمت بعدها أن العميد المرحوم محمد الحمد، الذي كان يعرفني جيدا، تدخل وامر بحفظ القضية! وعرفت يومها أن من يشغل مخه يستدعى لأمن الدولة! حدث ذلك في الكويت في عز انفتاحها، والأبعد ما تكون عن الأنظمة البوليسية، فما بالك بما يحدث فيها اليوم ولا يزال يحدث في الدول «الغلبانة»؟