الفكر الديني وإشارة المرور

5 فبراير  2013

عقد أول مؤتمر دولي لمنظمة السياحة والطرق في باريس عام 1900، وتم خلاله، وما تبعه من مؤتمر آخر عقد في روما بعدها بفترة وضع أسس أو اشكال أول علامات أو لوحات الطرق الإرشادية الرئيسية، سواء تلك التي تبين المنحنيات والتحذير منها، أو التي تبين مناطق مرور القطارات، وضرورة التوقف عندها. وبالتالي يمكن القول ان غالبية لوحات المرور، الدولية والرئيسية، يعود تاريخها لمائة عام فقط! هذا من جانب، ومن جانب آخر دار صراع خفي في العراق بين جماعتين دينيتين رئيسيتين، تدعي كل واحدة بأنها أحق من الأخرى، حسب تفسيرها الديني، وأنها على صواب! ويعتقد الكثيرون أن تخلف العراق ناجم عن صراعه الطائفي! ولكن لو قسمنا العراق، المتخلف والمنهار في كل حقل، إلى دولتين، واحدة لكل فريق فهل سنحصل على دولتين متقدمتين خاليتين من الأحقاد والحروب المذهبية والاختلاف الديني، وبالتالي متقدمتين علميا وفكريا؟ الجواب بالنفي طبعا! فلدينا دول «خالصة» مذهبيا، وغنية بمختلف الموارد، ومع هذا تشكو تقريبا من كل أعراض التخلف، ولم تشفع لها وحدانية مذهبها في أن تكون أفضل من تلك المتعددة المذاهب والديانات والثقافات! وبالتالي فإن المشكلة في العراق ليست طائفية، كما يحب البعض تصوير الأمر، ولا في اختلاف العقائد ولا في تعددها، ولا في موالاة هذا لذلك، والآخر لغيره، بل في الفكر الديني الذي سمح بوجود مثل هذه الاختلافات، ولرجال الدين، والمتاجرين به والمستفيدين من الاختلافات، الذين مهدوا بمكرهم وسوء نواياهم لهذه الاختلافات لتزداد ولتشحن النفوس وتشعل مكامن الحقد فيها! ولو نظرنا مثلا لإشارات المرور التي يتبعها ما يقارب النصف مليار سائق في العالم، لوجدنا أنها تنظم حركة سائقي المركبات وأماكن وقوفهم وانتظارهم، وتلفت نظرهم لمخاطر الطريق ومطباته وطريقة استخدام الشارع بشكل لا يضايق الآخرين، ولا يشكل خطرا على حياتهم وحياة غيرهم من سائقين ومشاة، التي استقر العرف الدولي عليها، وقبلها، منذ اكثر من مائة عام من دون اختلاف أو تعدد في التفسير والشرح والاستنباط فيما يعنيه هذا الشكل في هذا البلد، مقارنة ببلد آخر. فلو أخذنا مثلا لوحة: ممنوع الوقوف، التي تحمل حرف P داخلها وعلى الحرف خط يقطعه بالعرض «/» لوجدنا أن جميع سائقي العالم يعرفون أنها تعني شيئا محددا لا يمكن الاختلاف عليه. ولو قمنا بإزالة الخط فالمعنى سيكون العكس، وهذا ما يعرفه الهندي الأمي، الذي لا يعرف غير التكلم بلغته، والصيني الأمي الذي لا يعرف غير لغته والعربي الأمي، الذي لا يعرف غير لغته، ولو كانوا أنصاف متعلمين، مشاة أو سائقي مركبات، في أي بقعة على الأرض من جبال الهملايا حتى صحارى سيبيريا! فإذا كان بإمكان عقول سبعة مليارات من البشر أن تتفق على معنى إشارة مرور واحدة على الأقل، فكيف نعجز، بعد أكثر من ألف عام عن الاتفاق على الصحيح من معتقداتنا والسليم في طريقة عباداتنا؟!