كوارث مجتمعية وهندسية

30 ديسمبر  2012

أعتقد شخصيا أن نسبة عدد المهندسين الى عدد السكان، في أي دولة، مؤشر مهم جدا على مدى تقدم او تخلف تلك الدولة، والكويت كالعادة الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة. فقد تبين من احاديث المشاركين في المنتدى الهندسي الأول ان في الكويت 32 الف مهندس اعضاء في جمعية المهندسين، هذا عدا آلاف غيرهم من غير المنتسبين. وهذا الرقم كفيل بجعل الكويت جنة هندسية وتحفة معمارية، ولكن العكس هو الصحيح. والأسباب كثيرة، فعدد لا بأس به من هؤلاء يحملون شهادات مزورة، او على الأقل صادرة من جامعات غير معترف بها! وورد في المنتدى أن لجنة بوزارة التربية أجرت دراسة أثبتت وجود تلاعب في 6422 شهادة هندسية «مستوردة» من الخارج. كما أن وزارة التعليم العالي لا تتبع في مخرجاتها حاجات سوق العمل، ففي عام 2012 مثلا كان هناك 1100 طالب تقريبا يدرسون الهندسة، %3 منهم فقط في العمارة وهي الجانب الأكثر اهمية في الكويت. ونتيجة هذه اللخبطة والتسيب الاداري والمحسوبية والخش والدس الحكومي والديني سمحت الدولة قبل سنوات حتى للمهندس الميكانيكي بفتح مكتب هندسي، وتحمل مسؤولية التصميم والاشراف على مئات المباني المتخصصة والسكنية والخطرة، ووضع توقيعه عليها متحملا كامل المسؤولية، في مخالفة لأبسط القواعد المعمول بها في العالم، وقصة زميلنا الذي تفاخر يوما بوجود أكثر من 200 مهندس في مكتبه، وهو الميكانيكي، معروفة. ولو حاول أحد تفحص «حقيقة» شهادات من تولوا رئاسة جمعية المهندسين في السنوات القليلة الماضية لوجد العجب، فكيف قبلت الفئة الأكثر حرفية من «مهندسينا»، في هيئة مدنية بمثل هذه التقنية العالية، تسليم مقاليد جمعيتهم لمثل هؤلاء؟ ولكن مع من نتكلم نحن؟ ولو عبرنا المحيطات ونظرنا لجامعة هارفارد الاميركية لوجدنا أنها استطاعت على مدى سنوات الاحتفاظ بمكانتها كأفضل جامعات العالم، ولكن على الرغم من شهرتها ومكانتها العلمية المرموقة فانها لم تسلم من الفضائح، كما أنها كانت لفترة على علاقة بالمخابرات الاميركية المركزية، وربما لا تزال كذلك، حيث كان لها، ولبضع جامعات اميركية اخرى، دور في التعاون مع برامج حكومية سرية لقبول ابناء رؤساء وحكام بعض دول العالم، المتردي منها بالذات، للدراسة فيها رغم معدلاتهم الدراسية والاستيعابية المنخفضة، وبالتالي الدفع بهم لاجتياز الاختبارات النهائية بسهولة، ومساعدتهم في الحصول على أعلى الشهادات من دون جهد كبير. وتكمن فائدة هذه الطريقة أو الأسلوب في أن هؤلاء سيتولون يوما أعلى المناصب في دولهم وسيكون لهم تأثير ايجابي كبير في الجامعة التي قامت بتسهيل حصولهم على شهاداتها، خصوصا أنهم لن يعملوا في شركات اميركية ولا ادارات غربية وسيبقى «خمالهم» ضمن دولهم. وقد قام مسؤولو هذه الجامعة في نوفمبر الماضي بالتحقيق في مزاعم، تبين انها حقيقية، عن قيام 125 طالبا بالغش في اختبارات نهاية العام، وتم اتخاذ الاجراءات بحقهم!
ان انكشاف مثل هذه الحوادث ليس عذرا لنا لاستمرارنا في هذا الوضع المؤسف، ففي الغرب هناك شجاعة للاعتراف بالخطأ، كما أن لديهم الآلية لمعالجة أخطائهم، فهل لدينا حتى القدرة لأن نتكلم عنها؟