أردوغان الذكي وبديع الغبي

26 ديسمبر  2012

صرَّح الزعيم التونسي «الباجي قائد السبسي» بأن حزب النهضة التونسي، فرع الإخوان المسلمين، يشكل خطراً على تونس. وقد ذكَّرني تصريحه بما سبق أن صرح به رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قبل أشهر عدة، طالباً من القيادة المصرية السعي لوضع دستور يستند إلى مبادئ الدولة العلمانية، والتي لا تعني بالضرورة دولة اللا دينيين، بل الدولة التي تحترم مواطنيها وتقف منهم ومن معتقداتهم على مسافة واحدة، فمواطنو الدولة العلمانية ليسوا مجبرين لأن يكونوا علمانيين أو لا دينيين، عكس الدولة التي بإمكانها أن تكون علمانية. وقال لهم: «لا تقلقوا من الدولة العلمانية، وأتمنى وجود مثلها في مصر». وأضاف أنه رئيس وزراء دولة علمانية، لكنه مسلم ملتزم، لأن في تركيا العلمانية لكل فرد الحق في أن يكون متديناً أم لا! لافتاً إلى أن تصريحاته قد تفهم بشكل مختلف، ولكن هذا هو معنى العلمانية في بلاده، مؤكداً أن مصر لديها بنية تحتية تمكنها من تخطي المرحلة الانتقالية بكل سهولة. وأشار أردوغان إلى أن مصر تستطيع بناء دولة حديثة بعد الثورة إذا طبقت ثلاث خطوات تتمثل في الإدارة الجيدة للمواطنين، والاهتمام بالتعليم، وأخيراً التنظيم الجيد لأموالها، فضلاً عن القضاء على الفساد وتحقيق الاستقرار.
والآن، وبعد انتهاء المصريين من الاستفتاء على دستورهم الجديد، الذي لا علاقة له بالعلمانية بتاتاً، فمن الواضح أن قيادة مصر الجديدة المتمثلة في مكتب الإرشاد قد رفضت عرض أردوغان، ودولته المدنية، وأنهم بالتالي لن يحتفظوا بمسافة واحدة من جميع مواطنيهم، بل بمسافات مختلفة، ومن لا يعجبه، فأمامه أحد ثلاثة خيارات: إما أن يقبل الوضع ويسكت، أو يهاجر أو.. يذهب إلى الجحيم! وهذا ما سيجر الخراب على مصر لعقود طويلة مقبلة.
والغريب أننا بعد كل التجارب القاسية التي مرت بها دول مثل طالبان والسودان وإيران، وحتى لوقت قصير السودان وباكستان، وحرف النون في آخر أسمائها هو الشيء الذي يجمع بينها، لم يتعلم ساسة مصر أن من المستحيل أن تزدهر الدولة الدينية وتنجح ويعمها الخير والسلام، وأن حل الدولة العلمانية، وللدول الإسلامية بالذات، هو الطريق الوحيد، وسبب ذلك يعود إلى تعدد فسيفساء الأعراق والديانات في هذه الدول، وغلبة الإسلام عليها لا يعطي أتباعه في هذا العصر الحق في التحكم في رقاب البقية بالطريقة التي تحلو لهم، فالمواثيق الدولية والأعراف والعلاقات، التي أصبحت تربط الدول ببعضها، تجعل من الصعوبة بمكان استمرار تحكم نهج أو عنصر في البقية من دون رضاهم، ولو قارنا حال دولنا بإسرائيل مثلاً، لوجدنا أن هناك بوناً شاسعاً يفصلنا عنها فيما يتعلق بحقوق الإنسان داخلها، بالرغم من كل جرائم الصهيونية خارجها. فما حصلت عليه الأقليات العرقية والدينية لم يحصل عليه مماثلوها في أي دولة عربية. إن الدولة المدنية والعلمانية بصورة أصح هي الحل، وهي التي سينتهي المطاف بها، ولكن البعض سيدفع ثمناً غالياً قبل أن يقتنع ويصل لها.