خسائري المليونية وعبداللطيف الدعيج

16 سبتمبر  2008

شعرت بأسف وأنا اسمعه يسخر من مطالبة الزميل عبداللطيف الدعيج للحكومة بعدم التدخل لإنقاذ سوق الأسهم من الانهيار، وان الدعيج لو كان يملك أسهما لما كتب ما كتب!
لن استطرد كثيراً في ردي على تلك «الشخصية»، فقد قلت له ان معرفتي بالزميل عبداللطيف تكفي لان أؤكد انه كان سيكتب رأيه ذلك، بصرف النظر عن تملكه أو عدم تملكه لاي أسهم!

ما سأكتبه اليوم لن يرضي الكثيرين، وسيغضب البعض الآخر، وقلة ستتفق معي.. على مضض، ولكني سأقوله على أي حال، ففيه، حسب اعتقادي، المصلحة العامة.
بلغت خسائري المالية، ساعة اقفال سوق الكويت للأوراق المالية يوم أمس الأول الاثنين، أكثر من 1،650 مليون دينار، أي ما يقارب 6 ملايين دولار، وهو مبلغ لا يستهان به في ظل كساد عالمي أتوقع قدومه، ولكن على الرغم من هذه الحقيقة، المؤلمة على المستوى الشخصي، فإنني، وانسجاماً مع موقفي السابق من قضية اسقاط القروض، ولثقتي بان التدخل الحكومي في السوق ستنتج عنه آثار سلبية عديدة، فإنني أجد نفسي معارضا التدخل لرفع أسعار الأسهم بطريقة مصطنعة من أجل انقاذي وغيري من الخسارة، أو انقاذ السوق من الانهيار، خاصة ان السوق أبعد ما يكون عن ذلك، في المستقبل المنظور على الأقل، علما بأنني لم اعط الحكومة شيئاً عندما ربحت، وبالتالي ليس من حقي مطالبتها بتعويمي الآن مالياً!
أقول ذلك وأنا على ثقة بان من الافضل لآلية السوق بقاء الحكومة بعيدة في الوقت الحاضر، فتدخلها سيخفف حتما من حدة الضغوط وسترتاح بعض الأنفس وسترتفع بعض الأسعار، ولكن العوامل الحقيقية التي تسببت في هذا الانخفاض الكبير، ستبقى كما هي، وهي كفيلة بالضغط على الأسعار مرة ثانية وثالثة، ومن الافضل بالتالي قيام الحكومة، ان كانت جادة فعلا وعلى دراية كافية بما هو مطلوب منها القيام به، التصدي لعلاج الاسباب الحقيقية وترك أقراص البندول جانبا في الوقت الحالي!
يجب ان نعترف أولا بان الحكومة الحالية، من خلال وزرائها وأجهزتها المعنية بإدارة الأوضاع المالية والتجارية للبلاد، ليست بالمستوى المطلوب، كما لا يمكن هنا اخلاء طرف غالبية اعضاء مجلس الأمة من مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي اصبحت تعصف بالبلاد، وانشغالهم بتوافه الأمور، واصرارهم على التدخل في الكثير من القضايا من دون ادراك.
فمشروع هيئة سوق المال لا يزال حبيس الادراج منذ عشر سنوات تقريبا، وإدارة سوق الكويت للأوراق المالية فاقدة للخبرة والدراية الكافية، كما فقدت ثقة الكثير من الاطراف المعنية، ومع هذا تصر الحكومة على بقاء إدارة السوق على حالها.
اما القانون البائس والضار الذي سبق ان اصدره مجلس الأمة الذي منع بموجبه المصارف والمؤسسات المالية من تمويل مشاريع السكن الخاص، فقد افقد السوق زخمه، وحرم الكثيرين من أصحاب الدخول المعتدلة من حق الحصول على السكن المناسب، كما لم يساهم (أي القانون) ولن يساهم، في تخفيض أسعار القسائم السكنية بشكل كبير، بحيث تصبح في متناول الكثيرين، ولا تزال أسعارها، وستبقى مرتفعة لاسباب كثيرة، وبالتالي اصبح الوضع أكثر سوءا من قبل بكثير، فلا الأسعار انخفضت ولا قروض الشراء توافرت!
كما ان قرارات وزير التجارة، المتخصص في الأمور الصيدلية، المتعلقة بتقييد أسعار السلع الاساسية، ومحاولته القضاء على الاحتكار وفتح الباب للاجهزة شبه الحكومية للقيام بعمليات الاستيراد المباشر وزيادة عدد المواد المدعومة لن تنتهي، أو تتمخض عن شيء فعال، وفي أحسن الاحوال ستصبح جزءا من التاريخ فور ترك الوزير للوزارة، علما بانها في مجملها قرارات متواضعة الفاعلية اصلاً.
كما فشلت الحكومة خلال السنوات الثلاث الماضية، على الأقل، في طرح ما يكفي من المشاريع الانشائية التي لها الدور الأكبر في تنمية البلاد وتوزيع الثروة والمساهمة في دورة رأس المال، ولكنها بدلا من ذلك اختارت طوعا المساهمة في زيادة التضخم عن طريق رفع الرواتب الى مستويات كبيرة وتوزيع المنح والهبات من دون سبب أو مبرر منطقي.
وهناك الكثير من الأمور التي لا يسع المجال لسردها كلها، وخاصة تلك المتعلقة بحالة اللاقرار والفشل في محاربة الفساد والرشوة والتصدي للتسيب الإداري.
وبالتالي فإن سوق الأسهم ليس بحاجة لمورفين مؤقت معرض لزوال اثره بعد أيام، لكي يطلب المزيد من ضخ الأموال بقدر حاجته لسياسات اقتصادية حكيمة ورؤية مستقبلية واضحة وخطط قابلة للتطبيق، وان تصاحب كل ذلك محاسبة مستمرة، فمن دونها يصبح أي كلام في الإصلاح نوعاً من الكلام اللغو أو «الخرطي»، علما بان تدخل الحكومة الفوري في السوق وضخ مئات الملايين فيه ستتبعهما مطالبات نيابية باسقاط قروض.. محدودي الدخل!