يا حيفاه

14 سبتمبر  2008

أكملت قبل اسبوع 23 الف يوم من عمري المديد، وعلى الرغم من كبر الرقم، فإنه لايزال لدي، بموجب حسابات شركة التأمين على الحياة وتقارير طبية مستقلة، ما يقارب نصف ذلك الرقم من الايام السعيدة، قبل ان اموت طبيعيا في منتصف التسعين، وعليكم الحساب والتكسير، والتمني سلبا او ايجابا!
صحتي جيدة، وذهني لايزال متوقدا، واشعر بأنني في قمة نشاطي الجسدي والفكري، وانه لايزال امامي الكثير لأقوم به، وفوق هذا وذلك فإن قلبي وعقلي مليئان بأفكار تتعلق بعشرات المشاريع والخطط ولكن.. مع كل هذا، يكتنف جوانبي، احيانا كثيرة، حزن شديد، واشعر بين الفترة والاخرى وكأن اصابع لزجة تنسل خلسة بين أضلاعي لتعصر قلبي.. ألما!
لا يعود سبب ذلك لاسباب شخصية، فقد حققت في حياتي، حتى الآن، كل ما كنت اشتهي واتمنى، وربما اكثر من ذلك، ولا اشعر برغبة في تولي منصب سياسي او الحصول على جاه او التقرب لأي كان، فقد تلبستني القناعة بشكل لا فكاك منه، ورضيت بذلك الاسر الجميل طوعا!! ولكني اشعر بالحزن لما آلت اليه الاوضاع في وطني من جهة، ولعدم وجود ولو بصيص أمل في ان تنصلح الامور فيه، ولو بعد حين، من جهة اخرى، حتى ذلك الضوء الذي يتخيل البعض وجوده في نهاية النفق قد لا يعدو ان يكون مصابيح شاحنة ضخمة قادمة بسرعة كبيرة باتجاه خط سيرنا المتعثر!
لقد وصل التسيب والشلل والفساد الاداري حدا اصبح فيه الاصلاح امرا بعيد المنال، ان لم يكن مستحيلا، وكل عاقل يقبل تولي المنصب الوزاري مثلا، او اي منصب آخر عالي الاهمية، لا شك مدرك بأن قبوله عائد بالدرجة الأولى لما يأتي مع ذلك المنصب من جاه ونفوذ ومصلحة شخصية، وليس لإصلاح الأوضاع ووضع الامور في نصابها الصحيح، فهذا فوق طاقة اي فرد منا!
والأمثلة على خروج وزراء «اصلاحيين» مطأطئي الرؤوس من الوزارة دون انجاز شيء، اكثر من ان تحصى، فقد تأخر الوقت كثيرا لإحداث اي انقلاب ايجابي في الاوضاع او فعل شيء مفيد بعد ان تمكنت قوى التخلف والرجعية والفساد من الامساك بغالبية مفاصل الدولة، ان لم يكن جميعها.
واأسفاه على وطني.. واأسفاه على احلام آبائنا واجدادنا التي احترقت.. واأسفاه على ضياع كل الجهود الطيبة، وكل تلك المليارات التي أُنفقت على التعليم لنحصد منها كل هذا الجهل، وكل هذا الكم من الخواء المعجون بالتعصب القبلي والطائفي والديني الذي اختلط مع الفساد المالي والإداري ليصبح كتلة صماء واحدة.
آه كم انت جميلة وحلوة يا بلدتي. آه كم انت رائع يا وطني.. ولكن يا حيفاه!