.. وكذلك تكون المرأة...!

8 نوفمبر  2008

سنعطي حكومات الكويت على مدى نصف القرن الماضي كل ما تستحقه من ثناء لنجاحها في تحقيق كل ما احتاجته الامة من وسائل راحة وتقدم وعمران ومؤسسات واندية ومطار وملاعب ومدينة ملاهٍ وطرق وخطوط مياه امطار ومجارٍ والى آخر ذلك من منجزات ومعجزات هندسية. ولكن يجب الاقرار في الوقت نفسه انها فشلت بجدارة في خلق الانسان الكويتي الذي يمكن الاعتماد عليه، ليس في الملمات والكوارث، بل حتى في الظروف العادية. فمظاهر فشل الحكومات المتعاقبة واضحة يمكن رؤيتها في كل بيت وسجل مخفر وسجن ومركز ادمان، ونسب طلاق وعنوسة وابناء شؤون وقضايا البدون، وجرائم اغتصاب وعنف اسري واعتداء محارم وفي عيون كل متشرد وصعلوك. ولولا ما قام به البعض من تلاحق على ابنائهم قبل عقدين من الزمن ووفروا لهم تعليما خاصا مناسبا في تلك الايام الخوالي، بعد ان اصبح التعليم الخاص هذه الايام بمثل سوء التعليم العام، او اكثر قليلا، لقلنا على الكويت السلام، وهي الآن اقرب لـ «عليها السلام» من اي وقت مضى!
تربية اي جيل، في اي وطن او مجتمع او عائلة، لا يمكن ان تتم بمعزل عن المرأة، فهي المكون الاساسي لأي تربية اسرية، وعلى اكتافها قامت الحضارات بعد ان اضطرت للبقاء بجانب الروافد المائية تكتشف الطبيعة وتتعلم منها اسرار الزراعة والحصد والطحن والعجن، وتقوم فوق ذلك بمهمة الحمل او الخلق اضافة للنسج والحياكة، واثناء كل ذلك كان الذكر، الاقرب للقرد، يسرح ويمرح ويجري لاهيا خلف الطرائد، متجنبا عمدا كل ابداع او مسؤولية عن تنشئة الابناء والعناية بهم وبصحتهم الجسدية او العقلية، ولا تزال الاغلبية منهم تفعل ذلك.
هكذا بدأت الحضارات وهكذا استمرت وهكذا ستبقى، وبالتالي نجد ان تقدم اي امة مرتبط بمكانة المرأة فيها، فهي الحاضنة او الوعاء الذي منه تنهل الطفولة معارفها، وعلى كاهلها تقع مسؤولية استمرار تلك المعرفة، ومن هنا تأتي ضرورة الاهتمام بسلامة عقل ذلك الوعاء وبدنه لكي يستمر في عطائه المميز!
ولكن، وبعد مرور اكثر من نصف قرن من التعليم المنتظم للفتيات في الكويت، تبين ان اللبنات التربوية الاولى التي وضعها عبدالعزيز حسين وصحبه قد بدأت بالتفتت تحت اقدام «هيلق» الأخوان والإخوان، الذين اجتاحوا، بسقيم مبادئهم والبالي من عاداتهم، زهور الحضارة الندية والرقيقة التي بدأت براعمها بالتفتح مع ستينات القرن الماضي، فمنذ ذلك الهجوم الشرس والامل في التضاؤل بعد ان طلبوا من النساء ان يقرن في بيوتهن وألا يخرجن منها الا الى بيت الزوجية او المقبرة، فما اقسى قلوب هؤلاء!
نقول ذلك بمناسبة النجاحات المتواصلة التي اصبحت المرأة تحققها في كل وطن حر ومجتمع منفتح على الرغم من كل الاعاقات التي حاول ويحاول المتخلفون وضعها امامها لايقاف مسيرتها.
ولكن من الواضح انه في الوقت الذي تتعارك فيه جمال العالم من اجل الفوز بقصب السبق في كل ميدان، فإن جمالنا اختارت ان تبرك من دون حراك! كما ان هناك مساعي حثيثة لإعادة وأد المرأة وطمس شخصيتها، وابسط مثال على ذلك ما يرد عادة في الكتب المقررة على مدارس الدولة، والتي تحط من قدر المرأة ومن مكانتها، بحيث اصبحت في نظر البعض جسما معيبا وصوتا مخجلا وشخصية لا يمكن الوثوق بها او الركون لصلابتها، وتعاني النقص في كل مجال. يحدث ذلك في عهد وزيرة وسيدة مستنيرة فاضلة، وبعد ان تعاقب على سدة وزارة التربية اكثر من مدع بالليبرالية وبالفهم الصحيح لدور المرأة في المجتمع.
تعالوا نقرأ معا ما ورد في الصفحة 166 من كتاب «اللغة العربية» المقرر على الصف الثامن وفي جزئه الاول: انها تتطلع الى اسمى من هذا، انها شخصية فذة حقا. امرأة فرعون نضج هداها، وتبين لها الحق فعرفت الله كما ينبغي ان يعرف، عرفت الله «في السماء وفي الارض اله». وكذلك تكون المرأة اذا نضجت، وما اقل نضوج النساء (!!!) انتهى.
لن نسأل عن اسم المسؤول عن ارتكاب هذا الجرم بحق نصف المجتمع الاجمل والاحسن، فهذا سؤال لن نحلم بالحصول على اجابة عنه، لكننا نسأل حكومتنا، مادامت هذه فكرتها عن المرأة، فالمقرر الدراسي مقررها، عما قامت به لتغيير هذه الصورة النمطية السيئة عن المرأة؟ نسأل ونحن على علم بأننا لن نسمع الجواب، فمن الواضح ان قوى التخلف والظلام كانت، ولا تزال قوية. فقد كانت اقوى من خالد المسعود وحتما اقوى من احمد الربعي ومن نورية الصبيح، ولن تزول قوتها او تضمحل من دون قرار واضح يطالب بذلك، وهذا، كما تشير كل الدلائل، ليس بالامر المتوقع حدوثه في القريب العاجل ولا البعيد الآجل.