الحلم الشيعي

10 نوفمبر  2008

لست معنياً، لا من قريب ولا من بعيد، بالاختلافات والاحقاد الطائفية التي تعصف بمجاميع كبيرة من مواطني وطني، ولست مجبرا على تبرير وجهات نظري او الدفاع عن مواقفي، فهذا ليس غرضنا ولا هدفنا هنا.
تبلورت فكرة هذا المقال مع الساعات الاولى لانتخاب باراك اوباما لاقوى منصب تنفيذي في العالم. وان ينجح اميركي من اصل افريقي ومن خلفية دينية مثيرة للجدل، ومن خارج آلة الواسب WASP الرهيبة، التي لم تخترق الا لمرة او اثنتين في تاريخ اميركا، وفي دولة كانت العنصرية، ومعاداة السود والتحيز الشديد ضدهم، هي السمة الغالبة، ولا تزال، في الكثير من الولايات الاميركية، فإن هذا يعني انه ليس هناك ما لا يمكن تحقيقه، خاصة في عالمي السياسة والعلاقات الانسانية.
وصول «افريقي» للرئاسة حقق حلما طالما راود «مخيلة» القلة من الاميركيين، فالغالبية لم يخطر على بالها حتى ان تفكر في هذا الحلم لشدة بعده عن الواقع، وحتى قبل ساعات قليلة فقط من تحققه، ومع هذا اصبح الحلم واقعا، واصبح من كان والده مسلما كينيا وعاش في اميركا مسلما كينيا، وعاد إلى وطنه مسلما كينيا، بعد سنتين فقط من ولادة ابنه، ليموت هناك مسلما كينيا، اصبح ابن ذلك الرجل المسلم الكيني، وبالرغم من كل المحاذير والعوائق، وحتى التهديدات، رئيسا لاقوى آلة عسكرية وسياسية ومالية عرفها التاريخ.
من هذا المنطلق من حقي ان احلم، كما حلم زعيم الحقوق المدنية الاسود، القس مارتن لوثر كينغ، قبل قرابة نصف قرن، في خطابه الشهير الذي القاه في واشنطن في اكبر تظاهرة مناوئة للعنصرية في تاريخ اميركا من حقي كمواطن كويتي ان احلم بوطن يتساوى فيه الجميع امام القانون، وتكون للجميع فيه حقوق مدنية واحدة، من حقي ان احلم لانني لا اود ان اصدق ان ينجح من لم يتجاوز الـ47 من العمر في الوصول للمنصب رئيس الولايات المتحدة، بالرغم من كل العوائق العرقية والدينية والعنصرية، ولا يستطيع، لا بل يحرم على، مواطن كويتي، ابا عن جد عن جد اكبر، ولو بلغ الستين من العمر، يحرم عليه العمل كمراسل في 50% من الشركات المساهمة، وبالذات الاسلامية، دع عنه عدم قبول المواطن نفسه للعمل في عشرات الجهات والدوائر الحكومية الحساسة، لا لشيء الا لانه شيعي، ولو كان من القطيف، ولو كان تراب اكثر من مقبرة تضم رفات ابيه وجده الاول ومن سبقه!
كيف يمكن ان نصدق ان من جاء الكويت قبل اكثر من 200 عام ليس اهلا للثقة فقط لانه شيعي، وان الآخر، وفقط لانه من مذهب آخر، تفتح كل الابواب امامه ويرحب به في كل جهاز خاص وسري. بالرغم من انه لم يحصل على الجنسية الا قبل 10 او 12 سنة مضت؟ ولماذا يصبح من يربي لحية وينتسب للسلف او الاخوان ويحارب في جيوش جمع الاموال لديهم، لماذا يصبح افضل من غيره، ويسمح له بالخطابة في المولات وتفتح له من التلفزيون القنوات ليقدم من خلالها التمثيليات والهلوسات، ويعالج المرضى والمريضات بالضرب بالهراوات ليخرج الجن من ابدانهم المتعبات؟ هل يمكن ان يصدق عاقل هذا الذي يجري في الكويت، وحتما في غيرها من الدول الاسلامية؟ وهل يلام هذا «المواطن»، او غيره من الذين مورست مختلف صور التحيز العرقي والمذهبي ضدهم، ان قام بدفن احزانه ويأسه في الحسينيات او تجنب المجتمعات وغرق في التطرف وارسل الخمس إلى خارج الدولة ونادى بالولاء الديني للآخر، واقام المآتم المثيرة للجدل وتعسف في صوته الانتخابي، واعطاه، نكاية او اقتناعا، لاكثر المرشحين تطرفا وغلواء؟
لدي حلم بان تقوم حكومتنا بالتخلي عن الحيرة التي تعصف بها وان تحزم امرها، وتصدر برنامج قواعد واخلاقيات العمل، او Affirmative Action، تمنع بموجبه اي جهة، وان تبدأ بنفسها، من ممارسة التمييز العنصري ضد احد بسبب الجنس او العرق او المذهب، وان يكون للجميع الحق في الحرية والعمل والحق في السعي بحثا عن السعادة، فهذا اقل ما هو مطلوب من الحكومة القيام به.
فوطن يشكو جزء كبير من مواطنيه من مثل هذا التحيز في المعاملة معرض دائما لان يخان ولا يصان ولا يحترم! فالوطن، اي وطن، لا يساوي شيئا، ولا يستحق الدفاع عنه والاخلاص له والذود عن حياضه ان لم يشعر مواطنوه بالحرية والكرامة فيه، وبان للجميع حقوقا متساوية في العيش الشريف تحت مظلة القانون.
وقد سبق ان قال مارتن لوثر كينغ في خطابه الشهير: «.. الآن هو وقت الوفاء الحقيقي لوعودنا الديموقراطية. الآن هو الوقت لان ننهض من ظلام الوديان المهجورة والى طرق العدالة الاجتماعية المضيئة. الآن هو الوقت الذي نرفع فيه امتنا من حفر الرمال المتحركة والى صخور الاخوة الصلبة والمستقرة.، الآن هو الوقت الذي يمكن ان نجعل فيه العدالة حقيقة للجميع، وليس للبعض فقط».


ملاحظة: يقيم «صوت الكويت» في الخامسة مساء اليوم احتفالية بمناسبة مرور 46 عاما على صدور الدستور الكويتي. يرجى ضرورة تواجدكم في ساحة الارادة للاهمية، وسنكون في استقبالكم بقلوب مفتوحة.