معجزة الجوائز والتفاح

4 فبراير  2009

تصاحب الأزمات المالية عادة زيادة كبيرة في عدد المحتالين وتنوع طرق احتيالهم، وتصاحب زيادتهم في الوقت نفسه زيادة في عدد السذج، أو حتى العقلاء، الطامعين في جني ربح سريع يمكنهم من الخروج من أزماتهم المالية التي تحتاج الى معجزة. وفي جميع الأحوال تبدو الغالبية العظمى على غير استعداد للتوقف والسؤال: هل هناك حقا من هو على استعداد لأن يعطي شيئا مقابل لا شيء؟ الجواب: لا كبيرة، وال «لا» هذه تشمل حتى المحسنين الحقيقيين، فهؤلاء إما يبحثون عن المردود النفسي الدنيوي أو الأجر الأخروي! فعدد من وقع في حبائل عمليات النصب النيجيرية والاسبانية لا شك كبير، وأقول ذلك من واقع ما كان ولا يزال يردني أسبوعيا، عبر البريد العادي والانترنت، من رسائل تحتاج الى درجة كافية من الغباء لتصديق مضامينها، ومع هذا لا يزال سوقها رائجاً، مما يعني أن هناك دائما من هو على استعداد لتصديق أي شيء، ولو كان حلما واهيا!
وعلى الرغم من براعة النيجيريين والاسبان في هذا النوع من النصب والاحتيال، فان دولا عديدة أخرى دخلت على الخط، وأصبح ما يرد منها أكثر حرفنة ودقة بحيث يصعب حتى على العاقل عدم تصديق ما يرد بها من عروض مغرية، ولكن الكثيرين لا يودون تصديق أنThere is no free lunch!
تسلمت في الأسبوع الماضي رسالة تحمل شعار الملكة اليزابيث وصادرة عن قصر باكنغهام تقول إن «مؤسسة الملكة الخيرية»، كدأبها كل عام، خصصت مبلغ 500 ألف جنيه إسترليني لتوزيعها على 28 جهة، منها 14 خيرية، وما يماثل ذلك العدد من الشخصيات المميزة في مجالها. وأنه تم اختياري لإنجازاتي الصحفية ولإسهاماتي في حقل «حقوق الإنسان»! وأن جهات «دبلوماسية» في الكويت هي التي رشحت اسمي لنيل الجائزة(!). وطلب مني مرسلو الكتاب تزويدهم برقم حسابي في فرع مصرف بريطاني محدد، وذكروا اسم الفرع الذي أتعامل معه وعنوانه الكامل!
أثار الكتاب فضولي، علىالرغم من ثقتي التامة بأن كل ما ورد فيه كذب بواح صراح نواح. بعد البحث الذي لم يستغرق طويلا، تبين لي أن هؤلاء النصابين والمحتالين قد وصلوا الى درجة عالية من الحرفية في النصب، حيث عرفوا بأنني كاتب صحفي وسبق لي أن سكنت في بريطانيا، وأن لي علاقات طيبة مع السفارة البريطانية، وأنني أتعامل مع فرع مصرف بريطاني محدد بالاسم، والأغرب من ذلك أنهم بذلوا جهدا في دراسة مقالاتي، واكتشفوا أنني سبق ان كتبت عن موضوع حقوق الإنسان، وهذا جهد لا يمكن أن يقوم به شخص بمفرده!
كدت أصدق، إلى درجة 1% محتويات الرسالة، وقررت الاتصال بالسفارة البريطانية لنفي ما خالجني من شك، ولكني لم أقدم على ذلك بعد قيامي بقسمة مبلغ الجائزة البالغ 500 ألف جنيه على 28 جهة فتبين أن نصيب كل فائز سيبلغ 14/ 857 17 جنيها إسترلينيا، وهذا مبلغ غريب لا يمكن تصديقه، ولا يمكن أن تتبرع به الملكة لشخص مثلي! وبالتالي شطبت الرسالة وذهبت الى فراشي، وعندما قمت صباح اليوم التالي من النوم، اكتشفت أنني لم أحلم بالجائزة، ولا بأنني ثري ولا بمراسم منحي الجائزة في قصر باكنغهام، لأنني ثري أصلا وسبق أن دخلت القصر كزائر، ولم أهتم بمقابلة الملكة، لأنها لا تصافح أحدا بغير قفاز يد، وهذا ما لا أستسيغه من أي سيدة!
ننصح الجميع بعدم الرد على هذه الرسائل أو تزويد مرسليها بأي معلومات أو الاتصال بهم هاتفيا أو حتى الرد على مكالماتهم الخارجية، لأن الاتصال بهم مكلف والرد على مكالماتهم مكلف أكثر لوجود اتفاق بينهم وبين شركات هاتف معينة على نسبة معينة من قيمة كل مكالمة، ولو كانت بضعة دولارات بسيطة، أو تحويل 20 دولاراً لتكملة المعاملة، فكل ما يطلبه هؤلاء هو القليل جدا من كل غافل لتكون حصيلتهم في نهاية اليوم كبيرة من عدد كبير من المغرر بهم.
نعود ونكرر انه ليس هناك من يدفع مقابل لاشيء، وليس هناك من يرغب في أن تثري «أنت» بالذات دون غيرك من سكان العالم، الذين سيصل عددهم الىسبعة مليارات إنسان خلال 10 سنوات. فمن باع «الترام» والأهرامات في مصر قبل 70 عاماً لا يزال قريبه يعيش بيننا، يحاول بيع الأمل نفسه لطامحين أو طامعين آخرين بثراء سريع!
وبهذه المناسبة أتذكر قصة رجل الأعمال المعروف الذي أجرت معه صحافية مقابلة وسألته عن الكيفية التي جمع بها ثروته، فقال لها انه كان فقيرا جدا وشعر في يوم ما بجوع شديد، ولم يكن يملك غير نصف دولار وقتها، فاشترى تفاحتين ولمعهما بفركهما بقميصه الرث وذهب الى حي المال وعرضهما أمام أحد المصارف وباعهما خلال وقت قصير بدولارين محققا 300 % ربحا. ثم ذهب واشترى ست تفاحات وفعل الشيء ذاته، وباعها بعشرين دولارا، واستمر على ذلك المنوال لفترة طويلة.. وفجأة مات والد زوجته المليونير فورث وزوجته ثروة كبيرة منه، ومن تلك الثروة كون امبراطوريته الحالية! وقال لها هل صدقت أن بيع التفاح كان سيجعل مني ذلك الرجل المعروف في الحي المالي الآن؟