خلط الاختلاط بالمخلط

6 فبراير  2009

أقر مجلس الأمة ـ بناء على طلب متخلف، وحكومة ساهية ـ قبل سنوات قانونا، منع فيه التدريس في قاعات تضم طلاباً وطالبات، في المعاهد والجامعات.
ومعروف أن روح قانون منع الاختلاط يكمن في اعتقاد من أيدوا صدوره، من أن التقاء الذكر والأنثى ـ ولو كان في ملعب كرة قدم كامل العدد، وبوجود عشرات آلاف الأعين من حولهم ـ محرم ومثير للغرائز الجنسية، ويؤدي الى الانحراف والفساد. وبالتالي، يجب منعه، ولو قسراً!
وحيث إن لا فرق كبيراً بين رغبات وغرائز طالب أو طالبة جامعية وبين عضو ـ ذكراً أو أنثى ـ في مجلس الأمة، فإن الخوف من «اختلاط الجنسين» يجب أن يشمل الجميع من دون تفرقة!
ولكن ما نراه من ممارسات مشرّعينا مثير للعجب. فمن حقهم ـ بسبب غرابة طينتهم ـ السفر في وفود رسمية ومقابلة من يشاءون من النساء، رسميا وغير ذلك. ومن حق نائب، مثل ناصر الصانع، مشاركة زائرات أجنبيات شقراوات في أداء رقصة العرضة، وأمام كاميرات الصحافة، ومن نواب جمعية الإصلاح الاجتماعي ـ الذراع المحلية للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين ـ دعوة السفيرة الأميركية السيدة ديبورا جونز، الى عقر دارهم، وإصرار كل فرد منهم على مصافحتها، ولمس يدها الكريمة والبضة من دون تردد أو تفكير في أن ما يقومون به محرم على غيرهم، طبقا لما صدر عن مجلسهم من قوانين، وما منعوا غيرهم من القيام به!
فكيف يمكن تصور أن «ذكر» جمعية الإصلاح يختلف عن {الذكر} الطالب في كلية الطب مثلا، أو أن السيدة جونز تختلف في مشاعرها عن طبيبة المستقبل؟!
إن هذا القانون، كما غيره من القوانين الغريبة والعجيبة، كان يمكن أن ينسى كما نسي قانون منع المنقبة من قيادة المركبة، ومنع التدخين في الأماكن العامة وعشرات القوانين الأخرى التي لم تطبق، ولكنه القانون الوحيد الميت الذي أصر متخلفو المجلس على إحيائه المرة تلو الأخرى، لأنه ببساطة ينسجم مع رؤاهم الظلامية والمشككة في كل تصرف، والتي تنسجم مع مخططهم الرامي الى أسلمة كل أمور المجتمع، حسب مفهومهم الخاص.
ما جرى قبل أيام في كلية الطب من إحالة رابطة الكلية الى التحقيق ـ بزعم أنها أقامت ندوة عادة لم يراع فيها قانون منع الاختلاط ـ أمر يدعو الى الحزن لما وصلنا اليه من تردٍّ لدرجة تدعو الى الرثاء، خاصة ان علمنا أن الرابطة قامت بوضع حواجز بين جنسي الحضور في تلك الندوة التي حاضر فيها د. احمد الخطيب، ولكن لكون الرابطة غير مسيطر عليها من أي من الأحزاب الدينية المتخلفة، فحق عليها العقاب والتأديب والتحقيق.
من المؤلم أيضا أن يعامل طبيب أو طبيبة المستقبل بمثل هذه الطريقة الفاسدة والمشككة، ويصبح الأمر مضحكا حقا عندما نعلم أن مناهج كليات الطب تتضمن دروس تشريح للجسد البشري، والتي تتكشف فيها ومن خلالها كل الأعضاء البشرية أمام الطلبة الذكور والإناث من دون تفرقة، لمعرفة وظيفة كل عضو بدقة. كما تتضمن الدراسة زيارات ميدانية لمرضى المستشفيات والكشف عليهم ورؤية أكثر الأماكن خصوصية وحساسية في أجسامهم، وبعد كل ذلك يريد متخلفو الأحزاب الدينية منا الاعتقاد بأنه تحق للنائب مصافحة يد السفيرة الأميركية في عقر مقر «حدس» ولا تحق لطبيب المستقبل مشاهدة زميلته في كلية الطب، حتى وهي ترتدي طبقات وطبقات من الملابس؟!
إن هذه الأمة مقضيّ عليها بالفشل حتما، لأن مشرّعيها رضوا واطمأنت عقولهم، قبل قلوبهم، بوضع أجسادهم وأرواحهم وأجساد وأرواح فلذات أكبادنا مستقبلا، بأيدي هؤلاء الأطباء، وقبلها بأشهر قليلة فقط حرم هؤلاء الأطباء بالذات من مجرد نظر ذكرهم لأنثاهم حتى خلال ندوة عامة! لا شك في أن هذا مؤشر واضح على مدى التدهور المنطقي، قبل الخلقي الذي وصلنا اليه، فواأسفاه على هذا الوطن الصغير الذي ينزلق يوما بعد يوم من بين أيدينا، من دون أن نكترث، لتتلقفه براثن مجموعة لا تعرف غير مصالحها ولا تفكر إلا في ما ينسجم مع البليد والمتخلف من عاداتها وتقاليدها!