مؤامرة طارق حجي (2-2)

15 ابريل  2009

ولكن من هو طارق حجي؟ لا شك في أن غالبية شعوب المجتمعات العربية، وبالذات في موطنه مصر، لا تعرف من هو طارق حجي. حتى أنا الذي اعتبر نفسي قارئا نهما، وعلى اطلاع، لا بأس به، على ما ينشر على الإنترنت وفي منتديات الشبكة العنكبوتية ومواقعها الالكترونية، وما يبث من أفلام قصيرة على «ميمري واليوتيوب» وغيرهما، من خلال 130 رسالة تردني يوميا على بريدي، لم أسمع بطارق حجي إلا منذ أشهر قليلة ولم أشاهد له غير مقابلتين تلفزيونيتين، وبضعة مقالات... ولا شيء غير ذلك! وفجأة، وعن طريق الصدفة المركبة، وبدعوة من صديق كريم وسيدة أكثر كرما، دعيت للقاء طارق حجي، وإذ بي ألتقي ببحر من المعرفة الممزوجة والمعجونة والمدعوكة دعكا بثقافة صلبة تتعدى حدود بلداننا وثقافاتها الضحلة وأفكار أهلها الساذجة وآراء ومواقف «مثقفيها» المرائية! وهنا أزعم بأنني اعرف عددا لا بأس به من مثقفي مصر والكويت والسعودية والمغرب وتونس وفلسطين ولبنان وسوريا وبلاد المهجر.. الدائم، ولكن ما جعل طارق حجي مختلفا ليس كم مؤلفاته ولا بحر علمه وإحاطته بالكثير من العلوم النظرية والتطبيقية في أكثر من مجال، بحكم عمله الأكاديمي واشتغاله بقضايا مصادر الطاقة والسياسة والتعليم والإدارة، بل ما جعله مختلفا ذلك الكم من الصدق مع النفس الذي امتاز به والذي لطالما افتقدت ما يماثله لدى الكثير، إن لم يكن كل، من اولئك المثقفين الذين تقرأ سطورهم وكتابتهم الرائعة وتستمع لخطبهم وأحاديثهم الأكثر روعة، ولكن ما ان تقترب منهم اكثر وتتعرف عليهم عن كثب، وتطلع على الشخصي من آرائهم، حتى تفاجأ بذلك الفارق الكبير بين القول والفعل او الموقف، ومن هنا تأتي أهمية طارق حجي وخطورته في الوقت نفسه!
نعود الى نظرية المؤامرة لنقول إن هذا الأكاديمي والأستاذ الجامعي ورجل الأعمال والإداري الناجح الذي تمكن خلال السنوات الثلاثين الماضية من وضع وتأليف عشرات الكتب القيمة العظيمة الفائدة والمغزى، وباللغات العربية والانكليزية والفرنسية، والذي كتب أكثر من 1200 مقال في شتى المواضيع، والذي أجرت معه محطات تلفزيون عربية وعالمية عدة مقابلات مهمة ومثيرة، إلا أننا نادرا ما سمعنا به، وهنا مكمن الخطورة والداعي لوجود مؤامرة، ولو ان الفاعل غير معروف وليس من المهم وجوده! فمن يمتلك ما يمتلكه طارق حجي في مجتمعاتنا يجب ان يوضع على الرف، ويغطى وينسى ويحجر عليه، فقد تعودنا، في العقود الأربعة الأخيرة على الأقل، على العيش من دون عقليات نادرة، بعد ان اختفى مبدعونا إما تحت التراب او في السجون أو... المهجر! ومن بقي وقاوم واستمر من العقليات الحية والنادرة كان مصيره التجاهل، بعد أن استفحش الجهل بيننا، وأصبحت مجاميع شعوبنا لا ترى طارق حجي وأمثاله، وكأن طاقية سحرية تمنع رؤيتهم ورؤية أعمالهم الهادفة والاجتماعية والإصلاحية بغير كونها اعمالا مخربة وكافرة ومتطرفة!! وهذه الطاقية انتشر استخدامها مع اليوم الأول للانقلاب العسكري المصري في بداية الخمسينات واستفحل الاستخدام مع انهمار الأموال النفطية!
طارق حجي ظاهرة غير عادية تستحق الاحترام، ليس برفع اليد تحية له بل بتكريمه كمفكر وكاتب ليبرالي منفتح على مختلف الثقافات البشرية، ومؤمن بالإنسانية وبأن حقوق الإنسان، ومن صلبها إعلاء شأن المرأة، هي أهم منجزات العصر الحديث. فشكرا لمن أتاح لنا فرصة الالتقاء بك.
• ملاحظة: نظرا لاهتمامات طارق حجي الواسعة ومحاضراته الكثيرة في مجال مقارنة الأديان والتاريخ الديني واللاهوت المسيحي فقد أسست جامعة Toronto الكندية منحة دراسية للدراسات العليا
باسمه في هذه المجالات!