استبدال السافاك بالملالي

17 حزيران  2009

بعد الانفتاح السياسي الذي شهدته الكويت مؤخرا على اثر الهزيمة التي تعرضت لها قوى الردة والتشدد، وما تمخضت عنه الانتخابات النيابية اللبنانية من فوز لتيار العقلانية والوطنية على التطرف والاصطفاف الطائفي المدعوم من الخارج، فقد توقع، أو تمنى، الكثيرون أن تستمر موجة الإصلاح والعقلانية في المنطقة لتشمل إيران بخسارة تيار أحمدي نجاد المغالي في طائفيته وتشدده الديني والعسكري، وجاءت كل تلك التمنيات على خلفية عدة متغيرات دولية وإقليمية كان آخرها الخطاب التاريخي الذي ألقاه الرئيس أوباما في القاهرة قبل أيام. وكنت في الحقيقة أنوي كتابة مقال في حينه عن توقعاتي المتشائمة عن الانتخابات الإيرانية ولأبين صعوبة حدوث أي تغير حقيقي على الأرض ضد رغبة المرشد الأعلى، وأن النتائج ستكون عكس ما هو مطلوب لا لشيء إلا لكي لا يفسر نجاح المرشح الإصلاحي في الانتخابات الإيرانية على أنه دليل ضعف موقف «الولي الفقيه»، نائب الإمام الغائب، والذي يحكم إيران بصورة مطلقة ولا راد لرغباته وأهوائه، ولكن مشاغل السفر المفاجئة منعتني من كتابة ذلك المقال، خصوصا أنني كنت أتمنى، مع كثيرين غيري، خسارة نجاد، ونهجه!!
أميل للاعتقاد بأن تزويرا، بدرجة ما، قد جرى في الانتخابات الأخيرة في إيران. فلا يمكن أن يستمر شعب، مهما كانت درجة تخلفه، في التصويت، المرة تلو الأخرى، لنظام ونهج تسببا في هجرة أفضل عقوله للخارج وعزلته الدولية وبلوغ أوضاعه الاقتصادية درجة كبيرة من السوء. فهذه السنوات العجاف التي تمر بها إيران تشبه كثيرا السنوات الأخيرة لنظام الشاه السابق، عندما كانت الأوضاع الاقتصادية وقتها في الحضيض وكانت للسافاك، أو الشرطة السرية، اليد الطولى في حكم البلاد، وكان تزييف أي انتخابات أمرا عاديا، وكانت السجون تمتلئ بالسجناء السياسيين، والتذمر الشديد يملأ النفوس. وعليه فإن من الصعب توقع حدوث أي انفراج سياسي او اقتصادي كبير في أوضاع إيران من دون التخلص من نظام «ولاية الفقيه»، الذي أدى، منذ اليوم الأول، لاستبدال بطش السافاك بسطوة رجال الدين!! فهذا النظام السياسي الفريد من نوعه، والمتصادم بقوة مع منطق الحكم والعصر، لا يمكن أن يسمح بتقدم أوضاع أي دولة تتبعه بسبب الهالة شبه المقدسة التي يتمتع بها «المرشد الأعلى» المطلق الصلاحية والذي لا يسمح بتجاوزه أو حتى مناقشة صحة قراراته، مهما اتسمت بالتطرف والشدة. ولو تم انتخاب أي رئيس جمهورية إصلاحي فإنه سيكون عاجزا عن فعل شيء دون موافقة المرشد الأعلى، والشعب الإيراني يعلم ذلك جيدا، وبالتالي لا يمكن تفسير مظاهرات الاحتجاج في غالبية مدن إيران الكبرى إلا بكونها استفتاء على إلغاء نظام ولاية الفقيه، لتصبح إيران دولة ديموقراطية بالمعنى الصحيح... أو ربما نحلم بذلك!!