التحايل اللاربوي

14 اغسطس  2009





لخبرتي المصرفية المكثفة التي قاربت العقدين، وما يماثل ذلك زمنا من خبرة متقطعة، فإن بإمكاني الادعاء بأن البنوك التقليدية أكثر رحمة وتساهلا وتفاهما مع عملائها، في حال تعرضهم لأي خسائر أو إعسار.
كما أن التعامل مع البنوك التقليدية أقل كلفة من التعامل مع غيرها، وهذا ما تؤكده التجارب المريرة للكثيرين. ويمكن القول كذلك إن التراكم المعرفي للبنوك التقليدية التي تحكمها أعراف وتقاليد راسخة تمتد لمئات السنين، جعل التعامل معها أسهل من غيرها التي لا تزال تتخبط ولا تعرف على أي بر ترسو بسبب ضبابية أعمالها، وعدم وجود تقاليد وأعراف مصرفية راسخة يمكن الركون اليها.
نكتب ذلك بمناسبة تعرض الكثير من الشركات والمصارف الإسلامية، المؤسسة على «الشريعة الإسلامية»، لمشاكل تمويلية رهيبة لا يمكن أن تخرج منها من دون أي دعم كبير من حكوماتها. وفي دراسة قيمة قام بها سميح مسعود، الاقتصادي المغربي المعروف، عن إمكانية نجاة البنوك الإسلامية من آثار انهيارات الأزمة المالية العالمية، تبين له أن هناك شكا في قدرة هذه الكيانات المالية على البقاء، أو قدرتها على إنقاذ الاقتصاد العالمي وانتشاله من أزمته، كما حاول البعض الترويج له، ومنهم زملاء في «القبس»، في إشارة الى دراسة مشوهة صدرت من الفاتيكان تلمح لضرورة دراسة طريقة عمل المصارف الإسلامية وربما الاقتداء بها من منطلق رفض مبدأ تقاضي الفوائد (!) وقد بين السيد مسعود أن البنوك الإسلامية تتسم بضآلة حجمها من الناحيتين العددية والمالية، والذي لا يتجاوز الــ300 بعد أكثر من ثلاثة عقود، بأصول تبلغ 800 مليار دولار، 80% منها تخص مصارف إسلامية خليجية إيرانية، وهذا مبلغ يقل عن موجودات بنك أوروبي واحد كبير.
كما تواجه البنوك الإسلامية تحديات كثيرة حددها مجلس الغرف السعودية بأحد عشر، منها غموض مفاهيمها حول بعض المعاملات المالية الإسلامية، نظرا لعدم وجود رأي شرعي موحد بشأنها من قبل رجال الدين، إضافة إلى عدم التزام بعضها الآخر بالإجراءات والخطوات الشرعية عند تقديم خدماتها. كما أن اعتماد الكثير منها على العقار كشف هشاشة أوضاعها. كما تضرر الكثير منها من تراجع أسواق الصكوك وأزمة السيولة، وتراجع قيم أسهمها بشكل أكبر من غيرها من أسهم البنوك التقليدية. وقد صرح بادليسياه عبدالغني الرئيس التنفيذي لبنك سي أي إم بي الماليزي الإسلامي لوكالة رويترز بأن بعض البنوك الإسلامية في الدول الخليجية قد تنهار ما لم تدعمها حكوماتها، وذلك بسبب الجمود الذي أصاب أسواق الائتمان وهبوط أسعار العقار وتداعيات انخفاض أسعار المواد الأولية والنفط، لكونها المحرك الأساسي لقطاع التمويل الإسلامي.
وقال مسعود إن اهتمام البنوك التقليدية الغربية بإدخال الصيرفة الإسلامية ضمن أعمالها سببه رغبة هذه المصارف في استيعاب أموال جديدة تضاف إلى أصولها تجمعها من المسلمين الذين تزايدت أعدادهم في الدول الغربية، ولتحقق من ورائها أرباحا مجزية، وأن الأمر لا يزيد على كونه عملية تجارية بحتة لا علاقة لها بالعقائد وانتصار الاقتصاد الإسلامي على الربوي، كما يحلو للبعض قوله ونشره.
وقال مسعود، نقلا عن الأستاذ عبدالحميد الأنصاري، وهوعميد سابق لكلية الشريعة في قطر، «إنه ليس هناك نظام اقتصادي إسلامي مفصل ومتكامل، بل توجد فقط قواعد عامة ومبادئ وأدوات مالية محدودة لا تسعف في حل الأزمة المالية العالمية، ولا تصلح لأن تكون بديلا للنظام الاقتصادي الحالي».
وتطرق السيد سميح مسعود الى ما ورد على لسان حامد العلي، مدرس الثقافة الإسلامية في كلية التربية الأساسية في الكويت (!!) من أن البنوك الإسلامية تتحايل على الربا، باختراع معاملات ظاهرها بيع، وباطنها قرض بفائدة. كما يتهم هيئاتها الشرعية بأنها تفتي بهواها، ويتقاضى شيوخها رواتب عالية ومكافآت مجزية من هذه البنوك، كما اتهم كل من يفرق بين البنوك التقليدية واللاربوية بأنه جاهل! وأكد مسعود على لسان آخرين، أن التعامل في التوريق والتورق الذي تنشط به المصارف وشركات التمويل الإسلامية ما هو إلا أحد ألوان التحايل على أحكام الشريعة. ثم يتطرق الباحث لرأي راشد العيلوي، استاذ الاقتصاد الاسلامي في جامعة القصيم بالسعودية (!!)، الذي ذكر ان بعض البنوك الاسلامية تخلط بين التعاملات الاسلامية وغيرها من التعاملات والزعم انها إسلامية وهي ليست كذلك، وإنما هو تحايل على الربا. كما تطرق الباحث لقول مقبل صالح احمد الذكير، أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبدالعزيز من أن البنوك الاسلامية مرغمة في الوقت الحاضر على أن تنظر لسعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية، عند تحديد هامش الربح، بسبب حرصها على عدم الانفصال عن مستويات تلك الفوائد، وذلك بربط الأقساط في عقد التأجير المنتهي بالتمليك بمعدل سعر الفائدة المسمى ليبور. كما أكد مسعود عدم وجود مقاييس معيارية للفتاوى في أعمال البنوك الإسلامية، حيث ان الأحكام الشرعية تقبل اجتهادات مختلفة، مما يؤدي إلى اختلافات في الممارسات البنكية والمالية في جميع جوانب صناعة التمويل الإسلامي، وأن 85% من الصكوك الإسلامية المصدرة في الخليج غير ملتزمة بالأحكام الشرعية بسبب وجود اتفاقيات إعادة الشراء، وقد أصدر الشيخ محمد تقي عثماني رئيس المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الاسلامية في السعودية تصريحا لرويترز في نوفمبر 2007، أثار جدلا كبيرا في الأوساط الإسلامية والمتعاملين مع البنوك والمؤسسات الإسلامية.
نكتب كل ذلك من واقع اهتمامنا الشديد بضرورة وجود أعلى مستويات الشفافية في العمل المصرفي والاستثماري، وهذا ما لا يتوافر حاليا في القطاع المسمى بالإسلامي من الاقتصاد الذي يتعامل الكثيرون معه، اعتقادا بأن يتماشى مع الشريعة والفكر الديني، وهو ليس كذلك.