ابن الأصل وابن المدنية

17 اغسطس  2009

تحتل قضايا الأصل، الأرومة، العائلة، المحتد وعراقة النسب حيزا كبيرا من مخيلة وتفكير وحياة الكثير من المجتمعات. وكلما زادت مدنية وتحضر المجتمع زاد اعتماد افراده على ما توفره الدولة لهم من حماية وتعليم وشعور بالانتماء، وهذا من شأنه التقليل من اهمية قضايا الاصل والأرومة او الاعتماد على القبيلة او العائلة في قضاء الحاجات.
ففي المجتمعات القديمة، متخلفة كانت ام صحراوية، او حتى قريبة من المدنية، وقبل نشوء الدولة الحديثة بصورتها الحالية، كان للعائلة او القبيلة دور واهمية في قضايا الزواج والنسب، وحتى في العلاقات السياسية والقيادة! فالقبيلة هي التي توفر الامان والقوة للمنتسبين لها، كما ان القادة والسياسيين يأتون عادة منها، وكلما زاد حجم القبيلة، او العائلة، كانت اكبر تأثيرا، سياسيا واجتماعيا، واكثر جاذبية للانتساب لها عن طريق المصاهرة لأن بامكانها، اكثر من غيرها، توفير الحماية للمنتمين لها والدفاع عن حقوقهم والذود عن حياضهم، وتوفير المناصب الحكومية لهم.
وربما لهذا السبب حدثت الردة المدنية قبل بضع سنوات في احد المجتمعات الخليجية، عندما عادت مجاميع كبيرة، شبه مدنية، لأصولها وتسمياتها القبلية التي سبق ان هجرتها، وذلك بعد ان رأت ما يوفره لها ذلك الانتماء من قوة وقدرة على الوصول لأعلى المناصب واكثرها جلبا للقوة والثراء!!
وعليه فان سعي الجميع في مثل هذه المجتمعات المتخلفة لمصاهرة ابناء او بنات القبائل او العائلات الكبيرة، وذات الحسب والنسب من لوردات او بشوات او بيوت سادة ووجهاء من حملة الالقاب والاسماء الرنانة، ولو كانت فارغة، ليست بالامر المستغرب. ولو قدر لشخص كتابة ثلاثة سيناريوهات عن ثلاثة مجتمعات لقصة محددة تتعلق بموقف الاب من طلب ابنه الزواج لوجدنا ان الاب في مجتمع صحراوي او جبلي بعيد عن المدنية سيركز على انتماء الفتاة، او الفتى قبليا او عائليا. اما في مجتمع نصف متحضر وقريب من المدنية فان الاسئلة ستتمحور حول ظروف اب أو أم الفتى او الفتاة، وخلفيتهما التعليمية ومكانتهما الاجتماعية، مع اعتبار أقل لأصلهما وفصلهما الاكثر عمقا وعمومية. أما اذا كان المجتمع مدنيا خالصا فمعيار الاختيار او التركيز سيكون على الجوانب المتعلقة بالفتى او الفتاة بحد ذاتهما من ناحية مستواهما التعليمي والوظيفي والعمر والوسامة والجمال، مع اعطاء اهمية اقل لدور او خلفية الاب والأم!! ويعود سبب ذلك الى الفهم القديم الذي كان سائدا، ولا يزال في مجتمعات كثيرة، ان فرصة ابن الاصل في الحصول على تربية وتعليم احسن اكبر من غيره، وان هذا يجعله يتصرف بطريقة اكثر فروسية وارفع خلقا من العامة في التعامل مع الطرف الآخر، زوجا او زوجة او بشرا. وان «ابن الاصل» اكثر محافظة على سمعته العائلية، مقارنة بغيره من ابناء او بنات العامة!!
ولكن هذه المفاهيم تغيرت مع تغير المجتمعات والظروف، وأصبح الفساد او الدونية في التصرف غير قاصر على مجتمع أو طبقة دون غيرها، بعد ان زالت الفوارق تقريبا في غالبية المجتمعات بين الأسر مع اضمحلال نظام الطبقات. نقول ذلك بشكل عام فلا تزال هناك استثناءات، والعامل الاهم وراء هذا الاضمحلال يعود للتعليم، ودوره في ادارة المجتمعات. فالتعليم المميز اصبح في متناول الجميع، بعد ان كان قاصرا، لسنوات طويلة، على ابناء طبقات اجتماعية معينة. وهكذا أصبحنا نرى في جهة أن الجميع يتسابق لمصاهرة صاحب التعليم العالي والبارز اجتماعيا والناجح سياسيا والمميز ماديا، بصرف النظر عن خلفيته العائلية. كما أصبحنا نرى في جانب آخر ان المناصب السياسية والشديدة الخطورة وادارة الشركات العملاقة أصبحت من نصيب الأكثر كفاءة والاعلى تعليما، وليست قاصرة على أبناء الاسر المميزة، او الثرية، حتى ولو كانوا، سابقا، من كبار القادة والسياسيين، أو من كبار حملة أسهم تلك الشركات الضخمة. ولو أخذنا بريطانيا مثالا، وهي التي تتجذر فيها روح الطبقية بشكل كبير، لوجدنا ان آخر 4 رؤساء وزارة حكموها في العقود الثلاثة الأخيرة كانوا من بنات وأبناء أكثر طبقات المجتمع تواضعا.
نختم مقالنا بالقول ان مقاييس الحكم على الآخرين تغيرت تدريجيا مع الثورة الصناعية في أوروبا في القرن السابع عشر، ليصبح المميز من بامكانه تقديم الأفضل لمجتمعه ووطنه والجنس البشري، بصرف النظر عن أصله وفصله، وهذا لا يسري علينا، فمجتمعاتنا لا تزال على سابق تخلفها، ولأسباب معروفة للكثيرين منكم!!