سائق الركشو وليلى الغانم

24 اغسطس  2009

تقول أرونا لادفا: «كلما قلت حاجاتنا قل عدد الذين يتحكمون بنا»
عاد دينو من زيارة للهند، وأخبرني القصة التالية:
ركبت وزوجتي وابني عربة اجرة صغيرة تسمى «ركشو» تدار بمحرك دفع صغير، ولا يزال البعض منها يجر باليد. ما ان استوينا جالسين حتى وقعت عيناي على بضع مجلات موضوعة في كيس انيق خلف كرسي السائق. نظرت الى الامام فرأيت جهاز تلفزيون وبجانبه راديو صغير، فتبادلت وزوجتي نظرات الاستغراب لوجود مثل هذا الاشياء في ركشو متواضعة، وزادت دهشتنا عندما اكتشفنا وجود مطفأة حريق وصيدلية صغيرة تحتوي على قطن وشاش وزجاجة تطهير جروح وبعض الادوية.
وكانت هذه الاشياء كافية لكي نعرف أننا مع سائق ركشو غير عادي. فقد كانت هناك ساعة ومفكرة حائط وعدة صور سياحية ومقتطفات تمثل مختلف الديانات «السماوية» وبعض ديانات الهند الاخرى. ويقول دينو ان كل هذا دفعه للتحدث مع السائق، فعرف منه انه يقود عربته منذ 9 سنوات تقريبا، بعد ان فقد وظيفته في مصنع بلاستيك. وانه يعمل من الثامنة صباحا وحتى العاشرة مساء، وان عليه التزامات عدة، منها رسوم مدارس طفليه، ويقول دينو: مع علمي بأن لا وقت لدى السائق لاداء اي عمل آخر الا انني سألته عما يفعله بعد انتهائه من قيادة الركشو، فقال انه يذهب مرة كل اسبوع، او كلما توفر لديه بعض المال الفائض، لملجأ مخصص للنساء العجائز، ليقوم بتوزيع فرش ومعاجين اسنان وقطع صابون ودهن شعر واشياء صغيرة اخرى عليهن... مجانا! ويقول دينو ان السائق لفت نظرهم للوحة صغيرة موضوعة تحت عداد الاجرة كتب عليها ان لذوي الاحتياجات الخاصة خصم 25%. ويعفى فاقدو البصر من الاجرة متى ما كانت ضمن مبلغ 50 روبية.
ويبدو ان بعض صحف وقنوات تلفزيون مومباي تعرف الشيء الكثير عن السائق، حيث سبق ان استضيف في برامجها وعلى صفحاتها اكثر من مرة، وقد نال الرجل اعجاب دينو وزوجته فهو بطل في عيون الكثيرين ويستحق الاحترام. وعند وصول دينو لوجهته قدّم الشكر للسائق سنديب باتشا، وشكره على نبل اخلاقه، وكيف انه وزوجته وابنه تعلموا منه كيف يمكن ان يكون الإنسان فقيرا وانسانيا في الوقت نفسه ومحبا للآخرين وناكرا للذات. وبعد ان نفحه «إكرامية» معقولة تمنى عليه الاستمرار في عمله الانساني العظيم!
ذكرتني قصة سنديب بقصة مماثلة انتشرت على الانترنت عن «قهوة الحائط»، وتتعلق بمقهى يقع في مدينة البندقية الايطالية، وعندما يطلب بعض رواده قهوة، يطلب عادة فنجانا آخر للحائط(!) وهنا يقوم النادل بتقديم فنجان له وتسجيل الفنجان الآخر عن طريق وضع علامة واضحة على احد حوائط المقهى الخارجية. وعندما يمر من يود تناول قهوة ولا يمتلك ثمن الفنجان فإنه ينظر الى الحائط فإن وجد العلامة جلس وطلب «فنجان قهوة على الحائط» لينهيه ويغادر من دون دفع شيء، ليقوم النادل بعدها بإزالة احدى العلامات عن الحائط، ويتم كل ذلك بهدوء ومن دون ان يعرف الكريم او الفقير بعضهما البعض وبطريقة تتسم بقدر كبير من الكرم والحضارة!
كم هو جميل ان نجد من يفكر في الآخر بطريقة ايجابية من دون التسبب في ايذاء مشاعره، وما احوجنا لمثل هذه الشخصيات بيننا، كما لا تزال «مبرة رقية القطامي لأمراض السرطان» وليلى الغانم بانتظار تبرعاتكم يا أهل الخير.