يوم سقطت الحضارة العربية الإسلامية

31 اغسطس  2009

نشر محمد عز الدين الصندوق، الاستاذ في جامعة سري SURRY البريطانية، دكتوراه في الفيزياء من جامعة مانشستر، ملخصا لدراسة بعنوان «السبق والتخلف الحضاري العربي». ولأهميتها وتعلقها بظروف العرب والمسلمين، فقد وجدت ان من المفيد تلخيصها، والتعليق عليها.
يقول الاستاذ الصندوق ان هناك تفسيرات كثيرة ومختلفة لظاهرة بروز الحضارات وتلاشيها، وان الامر يخضع لمنطق علمي وليس مجرد ظهور وزوال عشوائي. وان منطقتي الشرق الاوسط وشمال افريقيا شهدتا ظهور اقدم الحضارات وجميعها تركت بصماتها ورحلت، لتنتقل لشعوب اخرى. ويقول ان نمو الحضارات وتلاشيها يخضعان لقانون النمو والتلاشي الطبيعي نفسه، ويمكن بالتالي اجراء دراسة كمية لأي جانب حضاري واظهار تطوره وتلاشيه بعيدا عن المبالغات والتفسيرات الملتوية، وان تاريخ العرب، مثل غيرهم، عرف الكثير من الاحداث، فقد لعبوا دورا مهما في القرن السابع الميلادي، وكان الاسلام عاملا في ظهور حضارة المنطقة، التي يميل اغلب الباحثين لتسميتها بالحضارة العربية الاسلامية! ولأسباب خاصة به قرر القيام بدراسة علمية تعتمد على المنطق الرياضي لمعرفة سبب ظهور الحضارة العربية الاسلامية وتلاشيها بعيدا عن المبالغات الايديولوجية. ويقول انه بدأ بمتابعة النشاط العلمي لتلك الحضارة من القرن الثامن وحتى القرن التاسع عشر (700 ـــ 1800م) وقارنه بالنشاط العلمي الغربي، معتمدا على ظهور العلماء في الرياضيات والهندسة والطب والفلك والكيمياء والفيزياء خلال الفترة نفسها كمقياس للتطور العلمي في كل مرحلة. وقال ان تلك الفترة شهدت بداية الخلافة العباسية في بلاد ما بين النهرين والخلافة الاموية في الاندلس، والفاطمية في شمال افريقيا وحتى العصر العثماني في القرن الثامن. وذكر أنه على الرغم من ان هؤلاء العلماء كانوا من امم واديان مختلفة فانهم كانوا يعملون ويعيشون ضمن ثقافة موحدة. ومن واقع مؤشر رياضي تبين ان النمو الحضاري، العربي الاسلامي بدأ بصورة واضحة بحدود 700م واستمر حتى 1000م. فقد دخل العرب الاندلس عام 711، وتكونت الخلافة العباسية عام 750م، وبدأ وقتها الانفتاح الحضاري للعقيدة الاسلامية على الحضارات الاخرى وايمانها بحرية العقل وتقبل الآخر والبعد عن الصرامة والغلو، ولذا تمكن من لم يكن مسلما ولا عربيا من المشاركة في بناء الحضارة، كما هي الحال الآن في الغرب، حيث يشارك غير المسيحي وغير الغربي في بناء حضارتهم. وقال الباحث ان المجتمعات الاسلامية تقبلت في تلك الفترة الفلسفة اليونانية ذات الطابع الوثني. كما شهدت الفترة نفسها نشوء وتطور فكر المعتزلة وتأسيس دار الحكمة في بغداد سنة 830 م وجامعة قرطبة سنة 970 م وجامعة طليطلة ومن بعدها الزهراء في القاهرة، وكانت مرحلة مشابهة للنهضة الاوروبية التي تلتها بقرون، حيث كانت المجتمعات العربية الاسلامية اقرب للعلمانية المعروفة اليوم! ولكن مع القرن الحادي عشر بلغ النمو في عدد العلماء نهايته، وتبع ذلك الانحدار، الذي استمر لألف عام ولا يزال.
ويختتم الاستاذ الصندوق دراسته بالقول ان الابداع في جميع جوانب الحياة احد اهم مظاهر التطور الحضاري، ولكن لا ابداع من دون حرية، فهي الشرط الاساسي في قيام التطور الحضاري، وما انقراض الحضارة العربية الاسلامية (وكمثال تخلف كل الاوضاع الفكرية والفنية والادبية في الكويت بعد تخليها عن تسامحها) الا نتيجة لانعدام هذا الشرط. فأي غطاب ايديولوجي او اجتماعي مقيد للحرية الفكرية يكون بيئة جيدة لتخلف الدولة وتراجعها، حتى ولو افتخرت بتطور جانب ما في حياتها، فإن ذلك سيكون على حساب جوانب اخرى. وقال الصندوق ان النيزك الذي ادى لانقراض الحضارة العربية منذ اكثر من عشرة قرون ما زال فعالا ونشطا. وكما انقرضت الديناصورات الى الابد فيبدو ان هذه الحضارة لا امل في عودتها، واخطر النيازك هي التي تقيد التفكير الانساني الحر!!
نعود لافتتاحية «القبس» لنؤكد أنها لم تخرج عن مضمون هذه الدراسة القيمة.