قصة صابونتين

9 سبتمبر  2009

كنت كثيراً ما أداوم صيفاً في محل العائلة الواقع في سوق الطحين القديم، والذي كان مخصصاً لبيع المواد الغذائية والاستهلاكية، وهي التجارة التي تحولت إليها العائلة بعد هجر مهنة الصرافة، وكان ذلك قبل أكثر من نصف قرن. وكنت أساعد والدي وجدي في عملهما، وأحل محلهما أحياناً عند سفر الجميع صيفاً للخارج. وفي أحد المواسم اكتشف مستوردو المواد الغذائية من إيطاليا في سوق الطحين من أمثال عبدالكريم المنيس، وجاسم الوزان، وناصر الصقعبي، وأحمد كمال، وملا يعقوب بن يوسف، وحسين الجاسم، وجاسم وعبدالله الصراف، أنهم تضرروا نتيجة استيراد كميات كبيرة من معجون الطماطم من إيطاليا، حيث دفع الموسم الزراعي السيئ هناك المنتجين لغش المعجون بخلطه بكميات كبيرة من الماء وإرسال ما يشبه عصير الطماطم، وهذا يعني أن الأمر أصبح يتطلب عشر علب للحصول على مفعول علبة واحدة من النوع القديم.
لا أدري ما الذي دفعني لأن أشمر عن ساعدي وأطلب من بعض صبية الحي مساعدتي في بيع ذلك المعجون السائل بعشر ثمنه من خلال «بسطات» على أحد مداخل سوق الخضرة القديم. ولكن على الرغم من السعر المغري فإن البيع لم يكن مشجعاً! وهنا فكرت في طريقة لترويج البيع وذهبت للأنبار، الاسم القديم للمخزن التابع للمحل، وكان يقع في نهاية شارع سعود بن عبدالعزيز، وأخذت معي مقصاً لأطواق الحديد ومفتاحاً للصناديق الخشبية، وقمت بفتح صناديق صابون تواليت كنت أعلم باحتوائها على أكياس بداخل كل منها عشر بالونات هواء ملونة. لم تكن العملية سهلة في مخزن غير مكيف وصيف قائظ وعلى ارتفاع مترين وبعيدا بسنتيمترات عن سقف «شينكو» وتحت حرارة تقارب الخمسين! بعد ساعتين من العمل المجهد تمكنت من فتح عشرة صناديق، وبسبب ما فقدته من سوائل وما أصابني من إجهاد عدت للبيت لأنام اليوم كله.
وفي اليوم التالي توجهت مع فريق البيع نفسه إلى السوق، وقمنا بنفخ البالونات المائة وعرضها للبيع مع المعجون السائل. ونجحت الفكرة وتخلصنا من كمية لا بأس بها من ذلك المعجون اللعين بفضل فكرة تسويق كانت وقتها رائدة، حيث اشترطنا بيع المعجون مع البالون (لا معجون.. لا بالون)، وحيث إن عملية شراء المواد الغذائية في تلك الأيام كانت تتم من قبل ربات البيوت، وحيث إنهن كن يصطحبن معهن أبناءهن، لعدم وجود خدم منازل في بيوت الغالبية، فكان الأطفال يصرون على الحصول على أحد بالوناتنا الملونة، وكان الإصرار مصحوبا دائما ببكاء أو صراخ الطفل، وكنا نصر، بصراخ مماثل، على أن لا «بالون من غير معجون!»، وهكذا نجحنا في تحقيق ثروة صغيرة تقاسمناها جميعا، وساعدت الفكرة المحل في التخلص من بضع كراتين من تلك المادة شبه المغشوشة، والتي كان يصعب بيعها بالطرق التقليدية، ولكن بعد فترة اضطر الناس لقبول الأمر بعد أن انقطع المعجون القديم تماما من السوق!
أما قصة الصابونة الثانية فتختلف قليلا: كان الدكتور (ص.ح) دائم الشكوى من حساسية جلده لأنواع الصابون العادية، الأمر الذي دفع زوجته لأن تفكر في صناعة صابون يخلو من المواد الكيماوية المؤذية. بعد تجارب فاشلة توصلت لإنتاج نوعية لا تسبب الكثير من الحساسية لجلد زوجها، واكتشفت أن الذين قاموا بتجربة ذلك الصابون أبدوا استحسانهم له، وهذا شجعها لأن تقوم بإنتاج كميات كبيرة منه، وأصبح يباع للاستخدام العادي أو يقدم كهدية في علب أنيقة. وقد قمت شخصياً باستخدامه ووجدته يلائم بشرتي الرقيقة «غير الناعمة» أصلاً!
يمكن للمهتمين بالموضوع الاتصال بنا للحصول على مزيد من المعلومات عن هذا الإنتاج الوطني «المنزلي».
***
● عنوان المقال مستوحى من رواية «قصة مدينتين» للروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز