عندما أكون مسقوطاًَ من الحساب

29 سبتمبر  2009

في مساء يوم الجمعة 14 اكتوبر 1994 قام شاب بطعن الكاتب المصري «نجيب محفوظ»، الذي توفي قبل 3 سنوات عن 95 عاما، قام بطعنه في رقبته بسكين بهدف القضاء عليه. وتبين بعد التحقيق ان ذلك الشاب الشديد التدين لم يكن يدرك فعلته، وانه لم يقرأ حرفا واحدا للمبدع محفوظ، الحائز على جائزة نوبل للآداب، وانه جاهل وسمع بانه كافر فقرر قتله!
تذكرت تلك الحادثة وانا اطلب من صديق مساعدتي في منع نشر بعض مقالاتي في احد المواقع، بعد ان تبين لي ان غالبية المتفرغين للتعليق على ما ينشر في المدونات والمواقع الالكترونية هم عادة من متواضعي الفهم والدراية، وخاصة من مستقي التعليم بــ«السمع». ويمكن ملاحظة ذلك من كم الاخطاء الاملائية والنحوية التي ترد عادة في تعليقاتهم ومداخلاتهم، اضافة لاسلوب مخاطبتهم السوقي. كما ان غالبيتهم، لسبب لا ادركه، يفضلون استخدام اسماء وهمية، ربما لكم التكفير والزندقة والاتهام بــ«الليبرالية والعلمانية» التي تتضمنها ردودهم من دون اي احساس بالمسؤولية. كما لا يتردد الكثير منهم في اسداء النصح والتحذير من الكفر بأساليب مضحكة، بالرغم من خطورتها، ويتم كل ذلك ضمن جهل واضح بالموضوع اساسا!
لست جزعا من الموت، ولا اعتقد ان بامكاني وقف ما قد يحصل لي بسبب كتاباتي، ولكن لا اريد ان اتعرض، او يتعرض اي كاتب حر، لما تعرض له الاديب الكبير نجيب محفوظ او غيره العشرات من المبدعين في عالمنا المظلم، علما بانني لا ادعي الوصول لقامة اي منهم. اقول ذلك بعد ان تحولت بعض مواقع الصحف الورقية والالكترونية والبلوغات، وخاصة في الكويت، الى منابر بث الكراهية والاتهام بالكفر والزندقة والخروج عن الدين، من غير ادراك ان البعض منا لا يزال يعيش بعقلية العصور الوسطى، والذي قد تستهويه فكرة ملاقاة الحور العين من خلال دماء كاتب او مفكر.
لا ندعو، لا هنا ولا في اي مكان آخر، لتكميم الافواه والحجر على الرأي والرأي الآخر، ولكن بما ان للنشر ادبياته وقواعده، فاننا ندعو اصحاب المواقع الالكترونية، وسنكون احدهم قريبا، الى الالتزام بالحدود الدنيا من الرقابة على ما يردهم من تعليقات وحذف المسيء منها.
والتعليقات التالية عينة صغيرة مما ينشر في الكثير من المواقع، والتي تبين مستوى تفكير هؤلاء المعلقين، والتي نوردها كما هي: «.. فأثبت الاسلاميون ان كلامهم يعور الخفافيش والغربان الي مثلكم يا (اسم صحيفة) مسيلمة الكذاب يا منافقي الحرية والدستور الخرطي، يا جريدة ستالين (!!)..» ويقول آخر: «زين بيع الكلام البحري وين الديموقراطية يا نازيون الجدد الذي صممتو الهذرة والبربرة باذننا يا جرب القوم. لو امرأة ساقطة مثلكم وتريد ان تنشر عهرها وفسادها لتراكظتو مثل القرود في نشرها». ويقول ثالث: «ان ما تكتبه كفر وانت مسقوط من الحساب.. (!)..»، وحيث اننا «مسقوطون» من الحساب فسنتوقف هنا عن الكلام المباح.