الانسحاب من صخب الحياة

7 اكتوبر  2009

يضطر كثير من قادة الجيوش، في خضم معاركهم العسكرية، إلى الانسحاب من معركة ما، إما نهائيا واما تكتيكيا لتجميع القوات والتزود بالمؤونة والتفكير في خطط حربية أكثر فعالية. وحاجة الأفراد لهذا التراجع من الروتين اليومي، أو ما يسمى ال‍‍ Retreat، لا تقل عن حاجة الجيوش، فنحن أيضا نخسر في الحياة معارك نفسية ومالية وعاطفية، ونحتاج أن نبتعد عن الآخرين مليا للتفكير في أسباب الفشل، ولوضع خطط جديدة والخروج بأفكار أكثر عملية والتزود بالوقود اللازم، وهذا ما قمت به أخيرا، كما سبق أن ذكرت في مقال سابق، حيث انسحبنا إلى قلعة حصينة في اكسفورد شاير، وكانت المحصلة أكثر من رائعة، وأنصح بالاستفادة من برامج Brahma Kumaris براهما كوماريز الروحانية لفوائدها النفسية والعقلية الكثيرة، سواء للأشخاص العاديين أو القادة والمفكرين!
* * *
تعلمنا من الحياة أننا ربما نكون في أحيان كثيرة بحاجة إلى الالتقاء بالأفراد الخطأ قبل أن نلتقي بالأفراد المناسبين. وعندما نلتقي هؤلاء في نهاية المطاف فسنعرف وقتها الفرق بينهم وبين الآخرين، وسيشعرنا ذلك بالامتنان. وربما ليست من السهل معرفة قيمة وأهمية ما نملك إلا بعد فقد ذلك الشيء، والصحيح أيضا أننا لا ندرك قيمة بعض الأشياء وأهميتها إلا بعد الحصول عليها. وقد يكون صحيحا أيضا أن المستقبل المشرق يعتمد احيانا على نسيان الماضي، فنحن في نهاية المطاف لا يمكن أن نستمر في النجاح من دون نسيان ما صادفنا من فشل وإحباط وألم نتيجة فقد عزيز أو هجر حبيب. ويجب ان يكون لدينا ما يكفي من السعادة، لنصبح أكثر لطفا، وأن نمر بما يكفي من المحن لنصبح أقوياء، وأن نشعر بما يكفي من الآلام لنصبح رحماء، وأن نمتلك ما يكفي من الأمل لنصبح سعداء، فأكثر الناس سعادة ليس الذين يمتلكون الأفضل من كل شيء، بل أولئك الذين يحصلون على الأفضل مما لديهم. وربما مطلوب منا أن نقوم يوميا بإسداء معروف لمن هم حولنا، حتى ولو كان ذلك يعني تركهم لحالهم. كما أن هناك لحظات في الحياة نفتقد فيها بقوة غياب من نحب، كأب، ابن، أم، ابنة، طفلة، صديق أو زوجة، ونود لو نستطيع إخراجهم من داخل أحلامنا وضمهم إلى صدورنا في عناق عميق، وعندما نلتقيهم بعدها، ويكونون أمامنا فسنعرف مقدار معزتهم في قلوبنا.
إن الرقة المتناهية في نفوسنا تعني قوة حقيقية. وهذه القوة على الرغم من أنها ترى وتتفهم، لكنها لا تتدخل في حياة الآخرين، وهي كفرع شجرة تلامس أوراقها الأرض، ولكنها لا تأخذ شيئا منها، وعدم الأخذ هو الرقة بذاتها.
وقد يكون مطلوبا منا أن نحلم كما نشاء وأن نذهب إلى ما نرغب من أماكن وأن نكون ما نود أن نكونه، لأننا نعيش حياة واحدة وفرصة واحدة لأن نفعل ما نرغب في القيام به