كارما وأوم شانتي

18 اكتوبر  2009

يقول سائق تاكسي: وصلت للعنوان وانتظرت فلم يأت أحد فضغطت على المنبه مرة وثانية وكدت أغادر المكان، ولكن شيئاً ما دفعني لأن أذهب لأضغط على جرس الباب، وهنا سمعت صوت امرأة عجوز تطلب مني الانتظار. فتح الباب بعد لحظات فرأيت سيدة في تسعينات عمرها وهي تجر حقيبة سفر بصعوبة، فتقدمت لمساعدتها، وألقيت نظرة على البيت من الداخل فوجدت أن صاحبته لن تعود اليه، فكل شيء يشي بذلك، من قطع القماش الكبيرة التي تغطي الأثاث الى خلو الحوائط من أي لوحات أو ساعات، وفراغ الأرفف من أي آنية أو حاجيات، سوى صندوق يقبع في زاوية مليء بالصور والبراويز.
اتكأت المرأة على ذراعي ومشيت معها ببطء نحو السيارة ولسانها يلهج بالشكر لما أبديته من لطف نحوها، فقلت لها انني أحاول فقط أن أعامل زبائني بالطريقة نفسها التي أود من الآخرين معاملة أمي. فسمعتها تتمتم كلاماً طيباً، وما ان استوت في المقعد الخلفي حتى طلبت مني أن أذهب بها الى البلدة القديمة، قبل الانطلاق للعنوان الذي أعطتني إياه في ورقة صغيرة، فبينت لها ان في ذلك إطالة للطريق فقالت: لا يهم فلست في عجلة من أمري، فلم يتبق لي أحد في هذه الحياة، وحسب ما ذكره أطبائي فإنني غالباً لن أعيش طويلاً. وهنا امتدت يدي لعداد الأجرة وأوقفته عن العمل!
خلال مرورنا في البلدة القديمة طلبت مني التوقف عدة مرات أمام مبان تحمل في ذاكرتها وقلبها الكثير، ونظرت في المرآة فرأيت عينيها تبرقان وهي تشير إلى معرض للسيارات وتقول: كان في مكان هذا المحل مرقص كبير، وفيه التقيت بزوجي الراحل، وكنا نأتي اليه كثيراً بعد زواجنا. ثم أشارت الى مبنى آخر وقالت انها كانت تعيش في احدى شققه العديدة، وإلى عمارة صغيرة ثانية وقالت انها ولدت في بيت كان يقع مكان تلك العمارة، وهنا بدر منها ما يشبه الضيق أو التعب وطلبت ترك مرابع صباها والانطلاق بها الى بيت الضيافة الذي ستقضي به ما تبقى من عمرها، بعد ان عاشت في تلك البلدة وشوارعها صبية ويافعة وزوجة، وقالت وقطرات دمع صغيرة تتدحرج من عينيها باحثة عن طريقها بين الأخاديد التي تملأ خديها، انني أفتقد زوجي كثيراً! وسكتت فيما تبقى من الطريق، فالموقف كان يتطلب ذلك، وقد احترمت صمتها، وكانت أشعة شمس الصباح قد بدأت بالظهور بعيداً عن الأفق، وما ان وصلنا حتى وجدنا ممرضة بانتظارها على الباب الخارجي وكأنها كانت تتوقع وصولها. اخرجت الحقيبة من صندوق السيارة الخلفي، وعندما عدت وجدتها جالسة على كرسي متحرك وسألتني عن الاجرة فقلت: لا شيء. فقالت: ولكن وراءك التزامات وهذا عملك، فقلت هناك زبائن آخرون، وهنا وبدون تفكير، انحنيت وضممتها الى صدري بحنان فتمسكت بي بقوة وقالت: «لقد منحت سيدة كبيرة في السن لحظات سعادة غالية لا تنسى، شكرا لك».
ودعتها واتجهت نحو سيارتي، وانا اغالب عبراتي، وغادرت هي على كرسيها النقال وما ان سمعت صوت اغلاق باب المنزل من خلفي حتى انتابني شعور بانه صوت انتهاء حياة.
اخذت اتجول بسيارتي دون هدف وانا غارق في افكاري، ولم تكن لدي رغبة في العمل او التحدث مع احد فيما تبقى من ذلك اليوم، فما الذي كان سيحدث لتلك السيدة لو ان سائقا عصبيا هو الذي تلقى نداء توصيلها الى مقصدها؟ او لو كان السائق قليل صبر ورفض الانتظار، او انني لم انزل من سيارتي للطرق على الباب. وعندما افكر فيما جرى في ذلك الصباح الباكر اجده من اروع الاعمال التي قمت بها في حياتي، فنحن مكيفون لاننا نعتقد ان الحياة تدور حول لحظات عظيمة، ولكن هذه اللحظات تفاجئنا من حيث لا ندري بما يقوله او يقوم به الآخرون من افعال واقوال. والناس قد ينسون ما قلناه او فعلناه من اجلهم، ولكن من الصعب ان ينسوا ما جعلتهم يشعرون به في لحظة ما.