عندما طار يعقوب المعاق

31 اكتوبر  2009

كان يوما عاديا، او هكذا ظننت، عندما اخبرني الطبيب ان ابننا المعاق، والمصاب بمرض عقلي خطير، سوف يتقوس ظهره لا محالة ان لم يتعود الجلوس على كرسي خاص بالمعاقين من امثاله، ولكن كيف لي بالحصول على مثل هذا الكرسي وثمنه يزيد على ثمن السيارة الخربة التي اقودها؟! فأي كرسي مناسب لا يقل ثمنه عن 1200 دينار.. سمع صديق بمشكلتي فنصحني بزيارة جمعية تدّعي الخير من خلال العناية بالمرضي، وهكذا كان، وما ان دخلت «بوابة» مكاتبهم في الاندلس، الضاحية المنسية، وليس المقاطعة الاسبانية، زال توتري عندما قرأت ملصقا عند المدخل يعلن عن توافر «كرسي لكل معاق»! في الداخل قدمت طلبي مصحوبا بعقد ايصال الايجار والتقارير الطبية الكاملة، ولكن الموظفة، غير المهذبة، صرفتني قائلة انها ستتصل بي فور توافر كرسي متحرك.
بعد انتظار شهر زرتهم ثانية، فقالوا ان الفترة قد تطول اكثر، فالكويتي ينتظر اشهرا وغير محددي الجنسية او البدون.. دهرا! وبالتالي ما علي غير الانتظار، فلا وطن ولا اهل لي غير هذا، ولا تراب لي غيره.
جاء رمضان، شهر الخير، وولى، ومر شهران آخران ووليا، وفجأة وردتني مكاملة هاتفية تخبرني بوصول الكرسي العظيم، وكانت مفاجأة سارة، فقد اصبح حمل الطفل يوميا من عيادة الى اخرى ومن غرفة علاج الى غيرها مشكلة كبيرة، خصوصا لامه، بسبب زيادة وزنه. وفي الجمعية كان هناك خبر لم نتوقعه، فقد اعطونا كرسيا مستعملا، وفي حالة سيئة، وكان من قبل لمعاق بالغ الكبر والحجم وليس لطفل ضامر الجسد! لم تُقبل اعتراضاتي بطبيعة الحال، ونصحوني بقبول الكرسي حاليا واجراء بعض التعديلات عليه في ورشة محددة. سكت وغادرت والدموع تكاد تطفر من عيني، فقد كان الشهر سيئا بالنسبة لي من الناحية المادية والصحية. وفي الورشة كلفني تعديل ذلك الكرسي اللعين، والأمل في الوقت نفسه، خمسين دينارا، لا أزال مدينا بها لصديق.
بعد التجربة، وجدنا ان الكرسي غير مناسب، فأربطته بالكاد تكفي لتثبيت الصبي في مكانه، وفي أحد الايام اوصلت زوجتي وابننا لاحدى العيادات وتركتهما للالتحاق بعملي المتواضع، ولكن ما ان وصلت حتى وردتني مكالمة من الزوجة تخبرني ان الصبي في حالة سيئة، وان علي العودة لمساعدتها، فتركت عملي مضطرا، وربما سأطرد منه قريبا، وذهبت لاكتشف ان عباءة زوجتي قد تبللت بدموع عجزها وبؤس وهوان حالها وحالنا، والصبي ينتحب في كرسيه والجروح تملأ وجهه ويديه، وتبين انه وقع من علىالكرسي الكبير وسقط في منتصف الطريق، ولولا مساعدة بعض المارة في رفعه من الشارع، لحدث ما لا تحمد عقباه، وضعت الكرسي في صندوق السيارة وحملت الابن حملا لكي تتم معالجة جروحه.
وفي مساء ذلك اليوم، وبسبب جروحه وتدهور حالته، بعد ان رفضت لجان تلك الجمعية اعطاءنا ما يكفي لشراء ادوية مهدئة له، قررنا، أنا وامه، ان ينام يعقوب بيننا على فراشنا الصغير، حيث يمكننا الاهتمام به اكثر، فهو لا يصدر صوتا عندما يصاب بنوبة ما، بل ينكمش على نفسه وكأنه يعتصر مشكلته ليخفيها عنا، وربما ليخفف عنا معاناته، وهكذا قضينا تلك الليلة ونحن نضم بعضنا بعضا، وكل واحد منا يشكو من ألم ما.
عندما افقت من نومي في صباح ذلك اليوم الغريب، لم اجد يعقوب، بل وجدت زوجتي جالسة على طرف السرير، وهي تتمتم بما يشبه الهذيان، فسألتها عن يعقوب، إذ ليس بإمكانه مغادرة السرير منفردا بسبب اعاقته الشديدة التي تمنعه من السير، فلم ترد، فاتجهت اليها ورأيت الشرود في عينيها، فهززت كتفيها وأنا أسألها عن يعقوب، فقالت بصوت حزين «يعقوب طار.. يعقوب ما راح يرجع»! فعرفت ان ابننا قد مات من نوبة شديدة، وكان هذا لعجزنا عن توفير ما يكفي من الدواء له، وعرفت وقتها اننا، لسبب لا علاقة لنا به، من المنسيين الذين لا يستحقون رحمة أحد، وان فقراء مدغشقر ومرضى كينيا اكثر استحقاقا منا للمساعدة والمال والدواء، فهل نحن حقا من بشر الكويت؟!
عندما انتهيت من مراسم الدفن وهز الايدي القليلة التي تقدمت لتقديم واجب العزاء في المقبرة، قدت سيارتي، ودموع الحزن تنهمر مدرارا من عيني، وذهبت الى تلك الجمعية «الخيرية» وسلمت الموظفة كرسيهم المستعمل، وتعمّدت عدم مطالبتهم بما صرفته من مال عزيز على اصلاحه، فقد يستفيد منه معاق آخر!
* * *
هذه رسالة قارئ كتبها تجاوبا مع ماكتبته عن الجمعيات الخيرية بشكل عام، والتي لا تزال تصر على الاهتمام بالانسان الآسيوي والافريقي وتجاهل المعدم والمريض في الكويت، يقومون بذلك وهم على علم تام ان ما يحتاجه البيت يحرم على المسجد اصلا!
نهدي هذه الحقيقة الى وزيري الشؤون والخارجية، لعل وعسى يتوقفان عن مدح الجمعيات الخيرية ليل نهار، ويطالبانها بالاهتمام بمرضى وفقراء الداخل قدر اهتمامهم بأمثالهم في الخارج!