الدولة الدينية القبلية

7 فبراير  2010

عدد من يستحق التقدير والاحترام بين كبار ضباط وزارة الداخلية ليس بالكبير، وليس في الأمر غرابة، فالكويت من دول العالم المتخلف، وهذه سمة من سمات هذه الدول، فالضابط فيها يمتلك البقالات وصالونات الحلاقة ويضارب في بورصة الأسهم ويتاجر في الإقامات ويستخرج رخص القيادة «للمحتاجين» مقابل رشوة، وأحيانا كثيرة يُقبض عليه متلبسا بجريمة أو بأخرى، ولا يُلام هؤلاء على ضعفهم بقدر ما يلام النظام القبلي والديني الذي أصبح يلفنا بعباءته الخشنة من كل جانب.
يعتبر الفريق أحمد الرجيب، وكيل وزارة الداخلية، من القلة التي تحظى بالتقدير والاحترام، وبالرغم من أن تصريحه الأخير، الذي سنأتي على ذكره لاحقا، بيّن مدى ما يشعر به من ضعف، فإنه أظهر أيضا حقيقة معدنه ورفضه للطريقة التي يدار بها الكثير من الأمور في الوزارة، وإيمانه بدولة القانون وضرورة اتباع القيادات الأمنية لكافة الإجراءات القانونية قبل دهم أي بيت أو حفل خاص.
ففي انتقاد لاذع يندر صدوره عن وكيل الداخلية، قال الفريق الرجيب إن على مديري الأمن الامتناع عن القيام بأعمال لا تدخل في صلب اختصاصهم، كمداهمة أوكار مشبوهة أو اقتحام حفلات خاصة بحجة وجود أفراد من الجنس الثالث فيها، وكل ذلك بناء على وشايات أو شبه تعليمات من نواب! وقال، وهذا مصدر اعتراضنا على تصريحه، ان هذه التدخلات في شؤون الناس غير المدعومة ببلاغات رسمية أو بأوامر قضائية تضعف موقف الوزارة ضد مرتكبي الجرائم وستبرئهم مستقبلا، وإن كانوا غير ذلك، وقد ينتج عنها ايضا رفع قضايا تعويض على الوزارة!!
وبالرغم من وضوح تصريح الوكيل الرجيب، فإنه أغفل أمرا أساسيا، فقد كان حريا به، وهو المسؤول المتمرس، لفت نظر قادة الأمن الى واجب الالتزام بالدستور وقوانين البلاد. فدعم موقف الوزارة أمر مهم، ولكن احترام خصوصيات الأفراد، من مواطنين ومقيمين، شيء أكثر أهمية، وهذا ما يجب أن يعيه رجل الأمن ويعمل حسابه لا ان يخاف من دفع تعويض مادي للمتضرر نتيجة خطأ في الإجراءات.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بالسبب الذي يجعل وكيل الداخلية يصرح بمثل هذا التصريح، «المخملي» نسبيا، بشأن مخالفات دستورية صدرت عن ضباط كبار لم يكن من المفترض ارتكابهم لها، ولماذا أطلق الفريق الرجيب تصريحه علنا، ولماذا لم يقم بإحالة واحد على الأقل من هؤلاء الضباط للمحكمة العسكرية، أو تجميده ونقله لإدارة غير تنفيذية؟
نعتقد بأن علانية التصريح، الذي تضمن اتهامات خطيرة لضباط كبار، مقصودة، وأن في الأمر شيئا ما، وأن الكيل ربما طفح بالوكيل، بحيث رأى أن من الضروري نقل الخلاف للعلن. وبيّن تصريحه أن من يدير الوزارة أمنيا ليس الوكيل الحريص على عدم تعريضها لما هي في غنى عنه، بل جهة أخرى! وبيّن ايضا أن كل ما يقال عن الدولة المدنية والدستورية أمر غير صحيح، فقد تحولنا منذ عقود لدولة «دينية قبلية» تدير الأجهزة الأمنية من خلال شبكة علاقات شخصية لا من خلال إجراءات قانونية ومواد دستورية، فهذا آخر ما تؤمن به.