التصرف اللائق والسلوك الحسن

22 مارس  2010

في صباح يوم قارس البرودة كنت أقف على رصيف محطة قطارات تحت الأرض في لندن، وكان ذلك قبل نصف قرن تقريبا، وكان على الرصيف ذاته رجلان عرفت من حديثهما أنهما كويتيان، أحدهما يتلقى العلاج في لندن والآخر مرافق له. وصل القطار بعد عشر دقائق طويلة وفتحت الأبواب بصورة أوتوماتيكية فقفزت للداخل فورا، وهنا قام أصغر الرجلين سنا بالطلب من الآخر ركوب القطار قبله، ولكن هذا وضع يده خلف ظهر صاحبه، وقال له «تيامن»، تقدم، فأنت على اليمين، ولكن الأصغر أصر والآخر أصر أيضا، وهنا أغلقت الأبواب وتحرك القطار، تاركا الرجلين مشدوهين على الرصيف!
هناك فرق بين الكياسة أو السلوك الحسن والمبالغة في اللطف، وأحيانا الإصرار عليه بشكل مزعج يفتقر إلى الكياسة أصلا، ويكون له أحيانا أثر عكسي، ولا يسري الأمر ذاته على كل تصرف. ففي مجتمعاتنا، بشكل عام، نفتقر إلى الكياسة والسلوك الحسن مع الآخرين، وكثيرا ما تتسبب تصرفاتنا الخالية من الذوق في جرح مشاعر الآخرين، أو تصدمهم، خاصة إن كانوا من القادمين من مناطق أكثر لطفا وحبا لمساعدة الغير أو تقديرا لظروفهم. وقد يعود سبب افتقادنا للسلوك اللائق إلى خشونة البيئة وقسوة الحياة بشكل عام من جهة، ومن جهة أخرى الى افتقار المناهج الدراسية، والحكومية بالذات، لمثل هذه المواد بشكل كاف، ونجد بالتالي أن التحدث بصوت عال، خاصة على الهاتف النقال، أمر عادي لدى الكثيرين، وبالذات في المكان والزمان الخطأين، كقاعة الاجتماعات والمستشفيات وحتى في دور العبادة. كما نجد بين طابور منتظري أي مصعد مزدحم من هو على استعداد للتصادم مع الخارجين منه وعدم انتظار خلوه تماما من ركابه. كما لا يتردد الكثير من المدخنين في التدخين في الأماكن التي يمنع فيها التدخين. كما اننا نفتقد عادة الإمساك بالباب بعد فتحه، لمن هو خلفنا، أو شكر من مسك الباب لنا للمرور. ونتردد، أو ننسى كثيرا، في تقديم الشكر لمن قدم لنا خدمة، ولو بسيطة، أو الاعتذار إن صدر منا فعل أو تصرف غير حميد.
ومن التصرفات الشديدة السوء عادة إيقاف المركبة خلف مركبات الآخرين وتعطيل أعمالهم بحجة عدم وجود مكان آخر لإيقاف السيارة. أو تجاوز الآخرين في الطرق السريعة باستخدام كتف الطريق، والتسبب في إتلاف مركبات الآخرين بالحصى المتطاير.
إن السلوك الحسن اللائق لا يكتسب بصورة تلقائية، بل يتعلمه الطفل من والديه أولا ومن المدرسة تاليا. وبسبب أهمية مثل هذه الأمور في حياة الإنسان فإن بعض دول «السنع» تخصص يوما في السنة لتعليم الأطفال السلوك الحسن. ونحن لا نطمع في تخصيص مثل هذا اليوم، فلدينا ما يكفي من الأعياد والمناسبات السنوية السياسية والاجتماعية والدينية التي لا تعني الكثير للغالبية منا، ولكن نتمنى أن يتم تضمين مادة السلوك، وربما آداب التصرف والجلوس إلى المائدة، وغيرها من التصرفات اللائقة لطلبة المراحل المبكرة لنبني جيلا يحترم الآخر.