الأصيل والبيسري

1 ابريل  2010

تنتشر في مجتمعات كثيرة، ومنها المجتمع الإنكليزي، ظاهرة الطبقية، فهناك من تعتبرهم مجتمعاتهم أعلى أو أدنى طبقة من غيرهم، إما لأسباب اجتماعية، قبلية، عرقية أو دينية مذهبية وذلك حسب طبيعة كل مجتمع وظروفه. ففي المجتمعات الصحراوية أو الرعوية مثلا يكون الانتماء للقبيلة هو الفيصل، وغير المنتمي يصبح أضعف من غيره لانعدام من يقف معه إن تعرضت حياته للخطر مثلا، خاصة مع غياب أو ضعف الحكومات. وفي المجتمعات المدنية، وبالذات في الدول المتخلفة يكون المنتمون لدين أو عرق الأقلية أقل شأنا اجتماعيا، ولكن أهمية الانتماء القبلي أو العشائري تصبح أقل مع تقدم المجتمعات وصدور القوانين الضامنة لحقوق الأفراد. وفي الكويت كان للأصل والفصل أهمية كبيرة ولكن مع الوقت فقدت الكثير من أهميتها مع تعاظم دور الدولة وزيادة التعليم وثراء الأسر والأفراد المنتمين لطبقات أدنى، ولكن حلت التفرقة المذهبية محلها في العقود القليلة الأخيرة، وربما فاقتها أهمية. وفي أنحاء كثيرة من الجزيرة العربية يشار للمنتمين لقبائل محددة بالأصيلين أما غيرهم فهم بياسر، أو بيسري. وأفادنا الزميل عبدالله العتيبي، «الموسوعة الحية» بأن هذه التسمية يقصد بها عادة الانتقاص من عائلة أو شخص ما، ولا يعرف أصلها بالدقة، ففي «لسان العرب» ورد ما معناه أن «بيسرة» قوم جاؤوا من السند، وأنهم من الذين يؤجرون أنفسهم لأصحاب المراكب أو للعمل كمرتزقة. وفي المعجم الذهبي الفارسي «بيسري» تعني «بلا رأس»، أو «بي سر» أو بلا أساس أو أصل. وجاء في موسوعة حمد السعيدان الكويتية: يطلق بيسري على الشخص الذي لا ينتمي لقبيلة أو عشيرة معينة، أو لا ينتسب أصلا للعرب (!) ويقال هو شخص بيسري أي لا أصل له في الأنساب العربية، وبيسري كلمة فارسية «بي سار» أي بلا رأس.
ومن المعروف أنه حدثت في فترة من التاريخ تحركات ديموغرافية ما بين الخليج وشبه القارة الهندية، وفي الاتجاهين، كان من نتائجها نزوح أقوام من الهند باتجاه الخليج أولاً ومن ثم باتجاه مناطق مثل البصرة وبلاد الشام، وعمل هؤلاء كمقاتلين أو حراس على ظهور السفن الملاحية الخليجية أو كخدم للتجار ومالكي المراكب، ومن أبرز هذه الأقوام من يسمون في التاريخ العربي بالزط ويسمون في الأدبيات التاريخية الهندية بالجات. ولئن كان الزطوط هم أبرز من ذكروا من بين المهاجرين الهنود الأوائل إلى ديار العرب، فان هناك أيضاً أقواماً أخرى مثل السيابجة أو البياسرة. وأول من أشار إلى البياسرة من المؤرخين هو أبو الحسن المسعودي في الجزء الأول من كتابه «مروج الذهب»، لكن المسعودي لم يبين أصل كلمة بيسري أو بياسرة، واكتفى بالقول انها تطلق على من ولدوا من المسلمين بأرض الهند. ويرجح أن تكون الكلمة هندية كوجراتية وتعني الخليط، مما يقودنا إلى فرضية أن البياسرة طائفة تكونت نتيجة زيجات مختلطة ما بين المهاجرين الأوائل إلى الهند من الخليج الفارسي واليمن والعراق والحبشة، أو ما بين هؤلاء وشعوب الهند.