التخلف المدني

15 ديسمبر  2012

يقال إن مسلمي مصر ظلوا لفترة طويلة يرفضون استخدام صنبور الماء للاغتسال، باعتباره بدعة شيطانية كافرة لم يرد لها ذكر في الكتب الدينية، حتى أفتى بعض أهل المذهب الحنفي بحلالية استخدام الصنبور، فأطلق عليه من يومها اسم «الحنفية» نسبة إلى المذهب الحنفي الذي سمح باستخدامه. وكانت الدراجة في منطقة نجد مكروهة، خصوصاً في معاقل الوهابية، وكانت تسمى بـ «حصان إبليس»، إلى أن أفتى عاقل بجواز استخدامها! وفي بداية تأسيس البنك الوطني، قبل 60 عاماً، نصح بعض رجال الدين نوعية معينة من التجار بالتعامل مع البنك الجديد والاستمرار في وضع أموالهم كودائع لدى البنك البريطاني، لأن أخذ الفوائد منه، كبنك «كافر»، حلال ويجوز «الإضرار به» بأخذ الفوائد منه. أما أخذ فوائد الودائع، فلا يجوز أخذها من البنك المسلم(!!).

والغريب أنه كلما اعتقدنا أننا تغيرنا أو تطورت أحوالنا للأحسن وابتعدنا عن سيطرة البعض على عقولنا يأتي خبر ليثبت أننا لا نزال نعيش في وقت غير وقتنا. فقد قامت إدارة التوعية في بلدية الكويت، ومن منطلق حرصها على توعية المصلين، وإيصال الرسالة التوعوية لأكبر شريحة ممكنة من المجتمع، بالطلب من وزارة الأوقاف قيام أئمة المساجد بحث المصلين على النظافة. وقال مسؤول البلدية إن اللجنة التابعة لقطاع المساجد، ومن مبدأ التعاون، قامت بإعداد خطبة ليوم واحد بعنوان «الطهور شطر الإيمان» لكي يلقيها الأئمة، وليساهموا في القضاء على الكثير من السلبيات! وهذا جيد في ناحية، وخطر في نواح أخرى، فبهذا الطلب نلغي حكم المنطق من حياتنا، ونربط كل فعل بالدين، فالزبالة والقمامة ليستا شراً ومرضاً طالما لم يطالب رجل الدين بإزالتها، والوقوف الخطأ أمام المسجد غير مخالف طالما أن رجل الدين لم يحرّمه، وهكذا. فكل ما لم يأت به حكم من إمام مسجد أو رجل دين غير جدير بالاهتمام والاتباع. وفي هذا السياق، قرأت قبل فترة أن أهالي مدينة سعودية شبه نائية، قاموا، بعد أن ازدادت نسبة الوفيات في مدينتهم نتيجة حوادث الطرق، بالطلب من إمامهم إصدار فتوى تحرم تجاوز إشارة المرور الحمراء! وهذا يعني إلغاء العقل تماماً طواعية وعدم استخدامه حتى في البديهي من الأمور، أو كما نقول «حطها برأس عالم واطلع منها سالم»، وكان لهم ما أرادوا وانخفضت الحوادث، ولكن الورطة عندما لا يوجد «عالم» لسؤاله، فلا نعرف ما علينا القيام به، أو عندما يكون هذا «العالم» غير عالم بشيء أصلاً!