أول المرحلة الرابعة

6 حزيران  2010

«يا وابور قولي رايح على فين، يا وابور قولي مسافر فين
عمال تجري قبلي وبحري تنزل وادي تطلع كوبري. حود مرة وبعدين دوغري، ما تقول يا وابور، رايح على فين؟ صوتك يدوي وأنت بتدوي، والبعد قريب ناره بتكوي والأرض بساط وانت بتطوي، ما تقول يا وابور رايح على فين.. على فين؟»
***
نشأت في بيت كان الاستماع للموسيقى فيه قبل أكثر من نصف قرن، أمرا عاديا، وكان لأغاني فيروز وموسيقى عبدالوهاب المكانة الأكبر، ولهذا ربما تذكرت، وأنا أفكر في موضوع هذه المقالة، كلمات الأغنية أعلاه لعبد الوهاب، التي طالما «دندنت» بها، وأنا اتصفح فيض رسائل الإنترنت التي انهمرت علي من حيث أدري ولا أدري، والتي جاوزت المائتي رسالة، تضمن بعضها الشكر وأخرى السخط، وغالبيتها الحنق والغضب وحتى الحزن وعدم الرضا ورفض الواقع، وتمني الأفضل لي ولمجتمعي، وكل ذلك ردا على رسالة مقتضبة أرسلتها لهؤلاء الأصدقاء وغيرهم من أسماء في قائمة بريدي ذكرت فيها نيتي الغياب المطول عن الوطن، وأن مرحلة رابعة وأخيرة من حياتي قد بدأت للتو.
التواضع مهم، ولا ينقصني شيء منه، والشعور بالاعتزاز وبمحبة الآخرين أمر جميل ولكن الاعتراف بالحقيقة أكثر أهمية، حيث لم أعتقد يوما أو أشعر بأن لي كل هذه المكانة في قلب وفكر كل هذه المجموعة المتنوعة من البشر من الكويت والعراق والأردن وفلسطين ومصر والسعودية والبحرين وأستراليا وكندا ودبي وقطر وأميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وليبيا والمغرب وتونس ولبنان طبعا، ومن دول أخرى لا تسعفني الذاكرة على حصرها، فمعذرة للجميع.
الحق أنني مقبل على مرحلة رابعة وحاسمة في حياتي، والأرجح أنها ستكون الأخيرة، وهذا ما أتمناه. وقد اعترض بعض «المحبين» على كلمة أخيرة شفقة من جهة ولأن، برأيهم، من الاستحالة على الإنسان معرفة المرحلة الأخيرة في حياته!! ولكن هذا ليس أمرا دقيقا بالمطلق، فمن ينوي الموت انتحارا بعد شهر مثلا يعرف تماما ماهية المرحلة الأخيرة من حياته، ولست بالطبع واحدا منهم.
تجربة التواصل «الحميمة» التي أظهرتها تلك الرسائل كشفت أمورا كثيرة، شخصية غالبا، لم أكن أعرف بوجودها، خاصة بين أولئك الذين لم يسبق لي أن تعرفت عليهم او التقيت بهم من قبل، وهذا ما أعطاني أو وفر لي بعدا إنسانيا كنت في حاجة له وأنا مقبل على هذه المرحلة الحاسمة.
أكتب كل ذلك ليس فقط لأحدد مسار طريقي للسنوات المقبلة، بل وأيضا كطريقة للتحدث مع النفس وإلزامها بما كتبت، بل وأيضا لما تشكله هذه الكتابات الوجدانية من مادة أدبية لما سيأتي من كتابات.