لا إنسانية النقاب

15 حزيران  2010

إثر صدور قانون يمنع ارتداء البرقع في بلجيكا، ومصادقة البرلمان الفرنسي على منعه في الأماكن العامّة.
انقسم الناس في البلدين المعنيين وخارجهما بين مؤيدين ومعارضين، واحتدمت مناقشات حامية حول «شرعية» النقاب، أو البرقع، ليس فقط بين رجال الدين، بل شمل النقاش المفكرين والعامة. وحجة المؤيدين هي «الحرية» وأن من حقّ المرأة ارتداء ما تشاء، لأنه جزء من الحرية الشخصية، التي تؤمن بها أوروبا والغرب عموما! ولو نظرنا بعمق أكثر لوجدنا أن المسألة ليست بمثل هذه البساطة. فالوجه، في كل الثقافات والمجتمعات، وعلى مدى التاريخ كله، مع استثناء مجموعات غير ذات أهمية كالطوارق مثلا، لم يوجد لكي يغطى، ولم يصمم له الانسان أي رداء أو غطاء كبقية أجزاء الجسم الأخرى. وبسبب تركز أربع من حواسنا الخمس فيه، فان المنطق يتطلب أن يبقى مكشوفا ليتعرف بعضنا على بعض، ونشعر بالتواصل الانساني والأمان، أو عكسه عند «المواجهة»، فحتى أجهزة الروبوت، التي تحاكي البشر في حركاتها وهيئاتها، لها رأس يشبه رأس الانسان، وعند التواصل معها ننظر إلى وجه الآلة، ونتحدث اليه «مواجهة» على الرغم من عدم ضرورة ذلك، لأننا نتحدث مع آلة، ومن هنا نجد أن موضوع البرقع أو النقاب أخلاقي واجتماعي، ولا علاقة له بالحرية أو الاختيار الشخصي.
وفي هذا الصدد يقول كاتب مغربي، لا يحضرني اسمه، نقلا عن الفيلسوف الفرنسي ايمانويل ليفيانس: «إن الانسان بوجهه، فلا انسان الا بوجه. فالوجه، اضافة الى اللغة، هو عنوان الانسانية فينا. فأنا لا ألتقي بالآخرين الا بالوجه، والوجه هو الجزء الذي يستمر في الانفعال و «التعبير»، وتوقّف تعبيراته هو رديف للموت...»!
وعندما يعتبر هؤلاء المتشددون المتخلفون، واللاانسانيون، أن وجه المرأة عورة وصوتها عورة، فهم بجرة قلم يلغون انسانيتها ووجودها بالتبعية، وتصبح مجرد وعاء ولادة وقضاء حاجة جنسية وخدمة منزلية. فتغطية الوجه دلالة على رفض كلّ علاقة أخلاقية أو انسانية مع الآخر، أو الانتماء للمجتمع. وهنا نرى في كثير من المجتمعات التي ينتشر فيها ارتداء البرقع، كالمجتمعات الخليجية والأفغانية، أنها المجتمعات نفسها التي ليس للمرأة فيها أيّ وجود اجتماعي أو سياسي، فكيف يمكن بالتالي التعلل بأن اختيار البرقع هو نوع من الحرية الشخصية لمن لا وجود لها، اجتماعيا وأخلاقيا وانسانيا؟ ومن شبه الاستحالة فوق ذلك التعلل بأن النقاب خيار شخصي يعود للمرأة نفسها حق اختياره أو رفضه. فلو نظرنا للخلفيات الاجتماعية والعائلية لغالبية المنقبات لوجدنا أن بيئتهن يتحكم الذكور فيها بشكل كامل، سواء كأزواج أو اخوة أو آباء. وهؤلاء لا يؤمنون غالبا بحق المرأة في الاختيار، أو بالحرية بشكل عام، خاصة اذا تعلق الأمر بأصل من أصول الدين. وبالتالي يصبح كل حديث عن حرية ارتداء النقاب هراء ما بعده هراء!