.. وما ملكت أيمانكم!

19 حزيران  2010

جاء صوته، بلغته العربية الركيكة، عبر «الانترفون»، خائفا متوسلا، طالبا رؤيتي، وعندما دخل وجلس قبالتي قال انه دفع كل ما يملك وتملك والدته من مال ومصاغ ليتمكن من القدوم للعمل في الكويت. وان كفيله، المواطن الكويتي «المسلم الرحيم»، الذي سبق ان ابتزه وجعله يعمل لديه سنة وعشرة اشهر براتب زهيد لا يساوي -عن عام كامل- نصف ما دفعه مقابل قدومه، طلب منه البحث عن رب عمل آخر، لانه غير قادر على توفير ثمن تذكرة عودته لوطنه. وكان الامر يهون لو ان ظروف عمله السابق كانت معقولة، حيث كان يتعرض للضرب المبرح والمهين في كل مرة يرتكب فيها ولو هفوة بسيطة، ولم يكن يدفع له بانتظام. وهو الآن بلا عمل وجواز سفره محجوز لدى ذلك الرحيم!
قمت بالاتصال بالكويتي الرحيم، ورد.. ولكن بعد 4 اتصالات على مدى يومين، وعندما شرحت له الوضع وطلبت مساعدته في حل مشكلة هذا الانسان، قال لي بالحرف الواحد: هات 400 دينار وتعال جوازات «الاحمدي» وحوله لكفالتك! صدمتني وقاحته وجرأته في الاتجار بالبشر، ربما ليقينه ان هناك من يحميه. وهنا قمت بالاتصال بوزير الشؤون وشرحت له الوضع وبأنني لا اريد لهذا الشخص ان يعمل لدي، بل فقط ترتيب امر عودته لوطنه على حساب من احضره، ووقف المتاجرة بالبشر بمثل هذه الطريقة المذلة. ولكن الوزير العفاسي، على الرغم من انسانيته، اعتذر بلطف قائلا ان موضوع خدم المنازل هو بعهدة زميله وزير الداخلية، وان المسألة نوعا ما شائكة. طرقت اكثر من باب في الداخلية ولكن لا مجيب، وهذا المقيم لا يزال بعهدتي مؤقتا، لحين انتهاء اقامته، وقد اضطر للعودة الى الكويت مع نهاية الشهر الجاري، موعد انتهاء اقامته، للدفاع عن حقه، ومحاولة وضع حد لمتاجرة كفيله به كبضاعة خردة. ولكن يبدو ان هذه النوعية من البشر، وما اكثرهم بيننا! لا يزالون يعتبرون هؤلاء المساكين بمنزلة إماء وسبايا لديهم!
اكتب ذلك بمناسبة ما ورد في القبس 6/9، على لسان المقدم بندر المطيري، مدير شؤون مجلس الامة في الداخلية، من ان هناك نية لاعداد مشروع وطني خاص بمكافحة الاتجار بالبشر!
وحيث ان الكويت سبق ان وقعت قبل اربع سنوات على الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص، لكنها ظلت حبرا على ورق، فان المحزن ان يأتي الضابط المسؤول ليقول الان بوجود نية، فأين كان وكانت ادارته طوال السنوات الاربع الماضية؟ ومتى تتحول النية الى قرار والقرار لمسودة قانون ليقدم لمجلس الامة ليأتي دوره بعد سنوات قد تتجاوز الاربع؟ وهنا أكاد اجزم بأن من سيعرقل اقرار مشروع هذا القانون في حينه -إن قدم- وسيؤخره هم اولئك النواب انفسهم الذين استقتلوا وتذابحوا على اعطاء قانون السماح للعسكريين بترك لحاهم على الغارب صفة الاستعجال ومن ثم اقراره! فهؤلاء ليس في أجندتهم شيء يعنى بحقوق البشر، فهذه تعبيرات مدنية جديدة عليهم.. وعلينا، فما زلنا في زمن ما ملكت أيماننا!