الكهرباء في عهد الكرهباء

26 حزيران  2010

«.. عندما تتحول الكهرباء لدى ممثل الأمة والمشرع، والقيّم على الأداء الحكومي، إلى «كرهبا»، يصبح كل أمر متوقعا..!!»

***
جاء صوته عبر الهاتف متعبا وطلب أن يتحدث معي لثقته بمصداقيتي(!)
قلت له: تفضل، فقال انه يود أن يخبرني بسر، وانه صادق في ما يقول، والدليل أنه يتصل من هاتفه النقال غير عابئ بتبعات اعترافه، فقاطعته قائلا بأنني في الخارج وليس على شاشة هاتفي غير عدة أصفار، وبامكانه التحدث بحرية، وهنا سمعت صوت تنهيدة ارتياح تصدر منه أردف بعدها قائلا انه تاجر مواد غذائية، وانه قام في الأسابيع الثلاثة الأخيرة بشراء كميات كبيرة من المواد الغذائية المجلدة التالفة بربع قيمتها، والتي خربت نتيجة انقطاع التيار الكهربائي عن برادات أصحابها، وكان من المفترض أن يتم إتلافها، وانه حقق مبلغا لا بأس به من إعادة «تفريزها» وبيعها لآخرين، وان هذه المواد، من واقع خبرته في هذا المجال، غير صالحة للاستهلاك البشري، ولكنه لم يهتم، فلا الشعب شعبه ولا البلد بلده، أو هكذا كان يعتقد! ولكنه في مساء اليوم ذاته اصطحب زوجته وأولاده في جولة بالسيارة، جاع أثناءها الأولاد فتوقف عند محل سندويشات والتهموا عشرة منها. وبعدها طلبوا آيس كريم، والتهموا كمية كبيرة منها، وفجأة تذكر أن هذه المواد تحفظ جميعها مجلدة، وأنه مثلما حقق هو ربحا من بيع مواد مجلدة تالفة فقد يكون آخرون غيره قد باعوا مواد غذائية تالفة للمطعم ومحل بيع الآيس كريم الذي تناول فيه وعائلته عشاءهم! وقال إن من منطلق تأنيب الضمير الذي أصابه قرر التحدث معي، ليطلب مني أن أكتب محذرا وزارة الكهرباء من قطع التيار الكهربائي عن ثلاجات حفظ المواد الغذائية! فبالرغم من أنه تاب عن مثل تلك الأعمال، فإن هناك دائما من هو على استعداد للحلول محله!!
وها نحن ننقل «صرخة» هذا التائب، فهل يسمعها احد؟ لا أعتقد ذلك، فكل المتورطين في أزمة الكهرباء منشغلون اما بأداء العبادات أو بتحقيق أقصى الأرباح وأعلاها في أقرب وقت. فمن مجمل التصريحات «السياسية والبرلمانية» يتبين أن مشكلة الكهرباء أخلاقية، وليست فنية أبدا. فلو قمنا بمراجعة أرشيف القبس للسنوات العشرين الماضية فقط، لوجدنا أن كل وزير «كرهبا» يلقي باللوم على العهد أو العهود السابقة له، ويصرح أن الكهرباء في «عهده» لن تنقطع، وأن الأمر لا يحتاج الى غير صرف بضع مئات ملايين الدنانير، وتنتهي المشكلة! والحكومة، أو السلطة، تعرف هؤلاء الوزراء، وتعرف جيدا التبدل الهائل الذي طرأ على أحوالهم المالية خلال فترة توليهم الوزارة، والسلطة تعرف المسؤولين الكبار المتلاعبين وكيف جمدهم هذا وأعادهم من جاء بعده، وكيف تم تعيين غير المؤهلين بتاتا، وبعضهم لا يعرف الإنكليزية، كوزراء لتولي أكثر المناصب تقنية، والسلطة هي التي تعين وهي التي تقيل، وهي التي جمدت لجان التحقيق في قضايا الفساد، وليس من العدل بالتالي إلقاء اللوم على وزير أو شركة مقاولات ما دامت المسألة بكل هذا الوضوح والفساد بكل هذا الانتشار، فالجميع يعلم بأن الأمر لا يحتاج في النهاية الى غير من يفسد ومن ثم يعمر مسجدا ويؤمن بالله وباليوم الآخر.