عندما نختلف مع القبس

18 اغسطس  2010

تفاعلا مع قرار الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بضرورة قصر الفتوى في السعودية على المعنيين بها، قامت القبس (8/14) بكتابة افتتاحية بينت فيها حاجة الكويت لمؤسسة دينية مماثلة تتولى مسؤولية الفتوى وتؤمن شروطها الصحيحة وتمنع السطو المغالي عليها، وبالتالي تنهي سياسة تفريخ الفتاوى من غير المؤهلين، وتوقف سيل استيراد الفتاوى التي تتجاهل حقائق حياتنا وتقفز فوق مصالحنا وتوقف الإساءة للدين!
كلام الافتتاحية جميل في ظاهره، ولا شك لدينا في حسن نية من كتبها، ولكننا، وربما لأول مرة لا نتفق مع ما جاء في افتتاحية لـ القبس، فظاهرة الفتاوى الطيارة أو الغريبة، والتي «تقفز» فوق مصالحنا ليست بالأمر المستجد ولم تأت من فراغ، بل هي نتيجة حتمية لانتشار الجهل بيننا وعدم الرغبة في البحث، ولو البسيط منه، وبسبب ما أسبغناه من هالة عظيمة على رجل الدين، بحيث أصبح كل ما ينطق به شبه مقدس، ومسلماً بصحته، بصرف النظر عن الخلفية المتواضعة أو حتى المشبوهة لقائل الكلام!
فنحن نكن الاحترام للأطباء بشكل عام، ونستمع لنصائحهم ونتبعها ونعتبرها بمنزلة «الفتوى الطبية»، ولكن كلما ازداد تعليمنا واتسعت مداركنا أصبحت هالة الاطباء أقل سطوعا، وقدراته أكثر وضوحا، وأنهم في نهاية الأمر بشر مثلنا معرضون لارتكاب مختلف الأخطاء، ومنها المميتة أحيانا. وبالتالي فوضع الطبيب في إطاره الصحيح، عن طريق زيادة معلوماتنا ومعارفنا، هو الذي يجعلنا أقل تعرضا لأخطائهم وأقل تسليما بما يصدر عنهم وعدم اعتباره مقدسا، وهذا يعني أن علاج مشكلة الفتاوى المتضاربة والمتعددة والطيارة لا يأتي بمنعها بل برفع مستوى تعليم وثقافة المتلقي لها بحيث يرفض الغث والمريض منها ويتم تجاهله.
ولو اتفقنا فرضا مع افتتاحية القبس فكيف ستتم عملية اختيار أعضاء لجنة الإفتاء؟ ومن الجهة التي ستختار؟ ومن يضمن بأن صاحب الأمر لن ينحاز لجهة ضد أخرى؟ وهل من الممكن اختيار أعضائها من خارج نطاق أو نادي «الشخصيات» الدينية الحالية، التي هي سبب المشكلة في الكويت أساسا؟ ألم تساهم هذه الشخصيات في تفاقم المشكلة وتناحر المجتمع، من خلال سيطرتهم الكاملة على «الفضاء الديني» في كل أجهزة الإعلام من صحافة وتلفزيون، وهم المسيطرون أساسا على كل المناصب الرسمية الدينية ولجان الرقابة الشرعية؟ وهل سيتخلى هؤلاء، إن تم اختيارهم لعضوية اللجنة الموعودة، عن وظائفهم الحالية التي تبيض لهم ذهبا مقابل عضوية لجنة لا تسمن ولا تغني من جوع؟ وهل بالإمكان اختيار غيرهم وهم السادة على الساحة؟
نؤكد لـ القبس أن هذه اللجنة لن تخرج إلى النور أبدا، فمصالح البعض المادية والاجتماعية سوف تعمل على افشالها بطريقة او بأخرى، وإن خرجت فالفشل مصيرها، فليس هناك ما يمنع هؤلاء، من خلال برامجهم الدينية وصفحات صحفهم وزواياهم، من قول ما شاؤوا من فتاوى، فليس هناك حد فاصل بين ماهية الفتوى وماهية النصيحة، كما لا توجد حكومة واحدة بإمكانها إملاء شروطها على القنوات الفضائية الدينية كافة وهي مصدر الصداع الأكبر في قضية الفتاوى.