حرام.. حلال..حرام.. حلال!!

28 اغسطس  2010

في أول أيام الغزو والاحتلال العراقي للكويت، وأثناء تفكيري وجاري في ما يجب أخذه معنا، إن اضطررنا للخروج من الكويت، لأي سبب كان، قال جاري إن المهم المال والأشياء الثمينة الأخرى وبالذات الخفيفة على الحمل، ومن ثم الصور العائلية الشخصية، وأهميتها تكمن في ما تحمله من كم كبير من الذكريات الحميمة، إضافة إلى أنها إن فقدت فلا يمكن تعويض غالبيتها!
تذكرت تلك الحادثة، التي مر عليها 20 عاما بالتمام، وأنا أقرأ مقال خلف الحربي، في جريدة عكاظ السعودية 6/7، بعنوان «يسرقون أعمارنا ثم يعتدلون»، والذي جاء فيه أن سيدة قامت بحرق كل صورها وصور أبنائها وعائلتها عندما أخبرها أحد رجال الدين أن الاحتفاظ بها حرام حرام!! وتقول إنها، وبعد عقدين من الزمن تقريبا، أصبحت ترى صورة ذلك الرجل في الكثير من الصحف، وهذا يعني أنه تراجع عن فتواه المتشددة، أو المتسرعة (لا فرق)! ولكنه ورط غيره بفتواه، وأنها الآن لا تعرف كيف تستعيد ذكريات طفولتها وطفولة أبنائها، بكل ما كانت تعنيه تلك الصور لها من أهمية ومحبة صادقة.
كما وردت في المقال قصة رجل قام قبل عشرة أعوام بتحطيم كل الأطباق اللاقطة للمحطات التلفزيونية في بيته بعد أن حذره شيخ دين مشهور، جاءهم في الشرقية، من خطر القنوات الفضائية على الأمة. كما دفعه حماسه وقتها للطلب من جيرانه الاقتداء به، وكانت صدمته كبيرة حين وضع أخوه الأكبر طبق التقاط في البيت، فتعارك معه ووجه له كلاما معيبا جدا! وبعد سنوات شعر بالخجل من نفسه وبخيبة أمل كبيرة عندما شاهد ذلك الشيخ، صاحب الفتوى، يظهر في برنامج ديني في واحدة من أسوأ القنوات الفضائية مقابل عقد كبير!
كما وردت في المقال قصة رجل آخر اختار ترك وظيفته المرموقة في البنك عندما أخبره أحد أقربائه أن الكثير من المشايخ يقولون إن راتبه حرام. وقال إن ذلك الرجل يعمل اليوم في وظيفة بائسة ويضحك على نفسه لأنه سمع كلام المشايخ وترك وظيفته، حيث اكتشف أن أغلب أولئك المشايخ الذين سبق ان أفتوا بحرمة رواتب المصارف أصبحوا أعضاء في هيئاتها الشرعية، وبعضهم في البنك نفسه الذي تركه في شبابه!
وقال الزميل الحربي إن سبب عودة هؤلاء الشيوخ عن فتاواهم ومواقفهم المتشددة وتحولهم لشيوخ «وسط» أنهم ربما راجعوا أفكارهم فوجدوها متسرعة وحماسية أكثر مما يجب! أو أنهم شعروا بأن الأفكار المتشددة لا تساعد على الاستمتاع برغد العيش بعد أن تغيرت أحوالهم المادية للأفضل بكثير! وقال إن المشكلة لا تقف هنا بل تشمل ظاهرة أخرى وهي مشكلة ظهور شيوخ جدد يريدون أن يخلقوا لأنفسهم وضعا ماديا معينا، فنراهم يتشددون ويحتسبون ويوترون الأجواء ويعطلون التنمية لكي يصبحوا نجوما لامعين ويتبعهم الخلق، ثم بعدها يعتدلون ويصبحون وسطيين ويقدمون البرامج التلفزيونية ويدعون الناس الى التسامح والتآخي!
وقال إننا لا نحتاج إلا الى ورقة لكي ندون على وجه منها أسماء عشرة مشايخ كانوا متشددين ثم اعتدلوا، بعد أن سرقوا عشرين عاما من أعمارنا، ثم نكتب على الوجه الآخر أسماء عشرة مشايخ آخرين يقودون حاليا موجة التشدد، وإذا طال بنا العمر، فسنرى بعد عشرين عاما، أن المتشددين أصبحوا ينافسون أصحاب القائمة الأولى في الاعتدال والوسطية بعد أن أصبحوا من سكان القصور! أما الأمة فليس لها إلا العناء والتحسر على العمر الضائع، والبحث عن مبررات اعتدال الشيخ المرموق مثلما بحث عن مبررات تشدده!
وقد ذكرني هذا المقال بموقف رجل الدين عادل الكلباني الذي كان يوما يؤم الصلاة في مكة، ذكرني بموقفه من الغناء وكيف أفتى قبل فترة بأنه غير حرام، وهو الأمر الذي ربما دفع الكثير من أتباعه ومريديه الى الاستماع والاستمتاع والتعود على الغناء والتعلق وشراء الأجهزة والسيديهات! ولكن الشيخ الكلباني قرر (هكذا، وعلى كيفه) تغيير رأيه والإفتاء بحرمة الغناء! فما الذي سيفعله مريدوه وأتباعه الآن بما اشتروه، وهل ستعود الدائرة نفسها؟