الشكر للقس الأخرق

14 سبتمبر  2010

عندما التقيت المرحوم أحمد البغدادي لأول مرة، كان ذلك بعد التحرير بسنتين، سألته عما يدفعه إلى الكتابة، فقال باختصار شديد: لإبراء الذمة! ومنه تعلمت ذلك، وهنا أكتب اليوم لأبرئ ذمتي، فنحن أحوج ما نكون، كأفراد ومجتمعات، إلى أن نقوم بذلك، ونصرح بما نعتقده أنه الصواب، حتى ولو لم يعجب ذلك البعض منا، فالشرور في العالم لم تحدث فقط لوجود أشرار، بل وأيضا لأن غيرهم اختار الصمت، وفي هذا السياق تعتبر قصة القس الألماني مارتن نيموللر، الذي توفي قبل ربع قرن عن 92 عاما، الأشهر في هذا المجال. كان نيموللر ناشطا اجتماعيا ألمانياً يميل للمحافظة، وبالرغم من أنه أيّد النازية في بداية حياته، إلا أنه اختلف معها تاليا، وأسس كنيسة «الاعتراف» التي عارضت تحويل ألمانيا للإيمان بالفكر النازي، خاصة ما تعلق بسمو الجنس الآري، وقال انه ادعاء لا يتفق والقيم المسيحية، وقد عانى كثيرا نتيجة مواقفه، ونجا من الموت بأعجوبة، ولكن قضى 8 سنوات صعبة في معسكرات الاعتقال النازية حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث أبدى بعدها أسفه الشديد لعدم قيامه بفعل ما يكفي لمساعدة ضحايا النازية، وقد غير فكره الوطني، وأصبح أمميا أكثر ومناوئا للحروب، وداعيا إلى نزع أسلحة الدمار الشامل. وعلى الرغم من مواقفه من النازية، فإن البعض رأى فيها انتهازية واضحة، فهو لم يتحرك إلا بعد أن هاجم هتلر الكنائس! ما يهمنا من سيرة الرجل ما قاله بعدها، والذي اعتبر ابلغ ما قيل في موضوع إبراء الذمة، وعدم السكوت عن الخطأ: «... لم اشعر بارتياح كبير عندما تعرض الشيوعيون في ألمانيا للهجوم والتصفية من قبل النازيين، ولكني لم أحرك ساكنا، فلم أكن على أي حال شيوعيا. وعندما داروا على الاشتراكيين لم أفعل شيئا أيضا، ثم اتجهوا بهجومهم وتخريبهم وسيطرتهم على المدارس والصحافة واليهود وهكذا، وكنت خلالها أشعر بالضيق، ولكني لم افعل شيئا، ثم بدأوا بمهاجمة الكنائس، وكنت قسا لاحداها، وهنا قررت التحرك والاعتراض، ولكن هنا لم يتبق أحد ليقف معي في محنتي، فقد تحركت متأخرا جدا». اليوم، لو نظرنا لكل ردود الفعل الغاضبة التي صدرت عن العالم الإسلامي والمظاهرات وحرق الأعلام الأميركية والتهديدات بقتل المسيحيين وتخريب مصالحهم، بسبب ما أبداه قس أميركي أخرق من نية في حرق نسخ من القرآن، لتبين لنا كم الحساسية المفرطة التي أبديناها تجاه ذلك الحدث، وكيف أن القرآن عزيز على النفوس وجدير بالتقدير، ولكننا وطوال عقود وقرون لم نكتشف، أو ننتبه، أو حتى نشك بأن للآخرين أيضا كتبهم ومقدساتهم وآلهم وأصحابهم، ولو بمفهومهم الخاص. وإن كانت مبادئ حرية القول والنشر في البلاد الغربية تسمح لوسائل إعلامهم والغير بانتقاد رموزهم الدينية، أو التعامل باستخفاف مع كتبهم المقدسة، فهذا لا يعني أن مشاعرهم جميعا متساوية، فالغالبية ترى عكس ذلك وتؤمن بقداسة شخصياتهم الدينية، ولا يزال الإنجيل هو الذي يؤدى القسم عليه في المحاكم الغربية من دون استثناء، وفي مراسم تنصيب الرؤساء وكبار مسؤولي الدولة. كما نجد نسخاً منه في كل غرفة من فنادق أوروبا وأميركا، وبالتالي إذا أراد المسلمون، والجهلة المتعصبون منهم بالذات، وما أكثرهم، من الآخرين احترام مقدساتهم، فعليهم احترام مقدسات هؤلاء وشجب وإدانة كل تعد عليها، فكم من هؤلاء دان تفجير تمثالي بوذا في أفغانستان، واعترض على حرق كتب المسيحيين واليهود في شوارع باكستان وشجب، فقط شجب، قتل المدنيين الأبرياء في عديد من الدول الإسلامية لمجرد أنهم غير مسلمين، وماذا عن الشتائم المقذعة التي تصدر عن كثير من أئمة المساجد والقنوات التلفزيونية بحق كل من ليس على مذهبهم. فإذا كانت مشاعرنا رقيقة كالزجاج، فيجب ألا نرمي مشاعر الآخرين بالحجر، وهنا ربما علينا شكر القس الأخرق على فعلته التي لم تتم، لأنها بينت كم تطرفنا ومدى حاجتنا لاحترام الغير ومقدساته!