عندما سقطت الخيمة (1/4)

19 سبتمبر  2010

   
لجأ صاحبنا في أوائل الخمسينات إلى الكويت هاربا من حكم بالسجن نتيجة موقفه من النظام كأحد شبيبة «الإخوان المسلمين». بعد أيام من وصوله طلب منه شريكه الكويتي مقابلة مسؤول حكومي ليساعده في الحصول على عقد بناء، ولما ذهب لمقابلته طلب منه أن يعود اليه في اليوم التالي ومعه حقيبة يد محددة يشتريها من «مكتبة الرويح» ويضع بداخلها 5000 روبية نقدا من فئة محددة. وعندما زاره في اليوم التالي أخذ المسؤول الحقيبة وسلمه أخرى مماثلة وطلب منه «التوكل على الله»! يقول صاحبنا انه وجد بداخلها رزمة من ورق الجرائد مقصوصة بحجم وسماكة المبلغ نفسه الذي سلمه للمسؤول، كما وجد أمر بناء سور لمقبرة كبيرة بسعر مريح جدا! توالت السنون وأصبح ذلك المسؤول يشغل أكبر المناصب التشريعية وأصبح صاحبنا المصري من كبار رجال الأعمال، وهو الذي روى لي هذه القصة. وخلال عملي مديرا لإدارة الاعتمادات في بنك الخليج، كان احد كبار عملائي مسؤولا كبيرا في الحكومة، وكان يحضر بنفسه لفتح اعتمادات مستندية بمبالغ كبيرة، وعلمت تاليا أنه يقوم باستيرادها لبيعها للجهة التي كان يعمل بها! وهذا الرجل انتهى الأمر به ليصبح مليارديرا، وليتبوأ أعلى المناصب السياسية والتشريعية والتجارية.
ويعرف الكثيرون بالطبع قصصا مماثلة يعج بها تاريخ الكويت، خاصة في نصف القرن الأخير، ولولا ما اشتهرت به القيادة السياسية العليا من زهد لكانت الأوضاع أكثر سوءا.
وفي الشهرين الماضيين -فقط- طالعتنا الصحف بكم رهيب من الفوضى الإدارية التي إن دلت على شيء فعلى قلة اهتمامنا بقضايا التخطيط والمتابعة والمحاسبة.
فلم يكن غريبا ما رأيناه من عدم اكتراث أحد في الحكومة بعدم وجود جوازات سفر جديدة لدى الإدارة المعنية! وكيف أن على المرضى والمرتبطين بمواعيد خارج البلاد وأصحاب التذاكر غير القابلة للتعديل ورجال الأعمال انتظار الفرج.. حتى إشعار آخر!
وخلال فترة قصيرة ترتكب شركة «متواضعة الإمكانات» جريمة بيع مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك البشري، وبكميات خرافية، لثلاث مرات على الأقل، من دون موافقة الجهات المعنية، ومن دون خوف من عقاب حتى الآن. ولو أضفنا الى ذلك «كارثة مشرف» التي ضاعت وماعت المسؤولية فيها -كالعادة- ومشكلة الكهرباء التي قاسى الجميع منها، ولا يزالون، والتي تسببت في ضياع مئات ملايين الدنانير من المال العام في شراء محولات منتهية الصلاحية، وأيضا من دون أن يطول العقاب حتى فراش كبار موظفي الوزارة أو الشركات المنفذة، ولو تمدد تساؤلنا ليصل لفضيحة مشروع مستشفى جابر لعلمنا بحجم التسيب الذي نعيشه جميعا! ثم تصل «التراجيديا» الى قمتها بسقوط الهيكل الحديدي للخيمة التي أقامتها «جمعية المهندسين» لحفلتها الرمضانية، بسبب «سوء التصميم والإشراف»، وليكتشف الجميع حقيقة الوضع الذي نحن فيه.
هذه مجرد مقدمة لمقال الغد، وما سيتبعه.. فهذه هي الكويت، صلوا على النبي!