انتظام الانتباه

2 اكتوبر  2010

أكملنا قبل أيام 65 من العمر، وبموجب حسابات صحية وعلمية محددة سنعيش حتى منتصف التسعين، وهذا معناه اننا اجتزنا ثلثي العمر بسلام، ولم يتبق غير الثلث الاخير الذي عادة ما يكون الاكثر صعوبة من الناحية الصحية، والاكثر انتاجا من الناحية الذهنية، أو هذا ما نتمناه.
من مظاهر الكبر في العمر التي سبق ان كتبنا عنها هو زيادة عدد من ينادونك ب‍يا «عم» أو يا «حاج»، او يعطونك مقاعدهم في صالات الانتظار والحافلات والحفلات، أو يفسحون لك الطريق، أو عندما تبدأ بالاهتمام اكثر باطفاء الاضواء ليس لزيادة جرعة الرومانسية لديك، بل توفيرا للطاقة.
وتبين أخيرا ان الكبار في العمر يصابون بمرض يشار اليه ب‍ AAADD وهو اختصار طريف ل‍ Age Activated Attention Deficit Disorder ويعني: عدم انتظام الانتباه مع التقدم في العمر! واعراضه تبدأ عادة عند الاستيقاظ مبكرا والجميع نيام، حيث يقرر البعض ان عليه قراءة صحف الصباح واحضارها من الصندوق الخاص بها، وفي الطريق يكشف صاحبنا ان حنفية مياه الحديقة مفتوحة، فيتجه صوبها ليغلقها، فيلفت نظره منظر تراكم غبار عاصفة الليلة الماضية على مركبته، فيقرر ان يوجه خرطوم المياه نحوها ليزيل ما تراكم عليها من تراب، وهنا يتبين له انه بحاجة لاحضار مفتاح الباب الخارجي، فيعود ادراجه إلى الداخل لاحضاره، فتلفت نظره بضع رسائل بريد تحت الباب فيلتقطها، وعند محاولته قراءتها يكتشف انه لا يستطيع ذلك من غير نظارته الطبية، فيتجه إلى غرفة المكتب، حيث سبق ان وضعها في الليلة السابقة، فلا يجدها فيضع الرسائل على المكتب، ويصعد إلى غرفة النوم لجلب نظارته، ولكنه يكتشف ان سلة المهملات في المكتب ملأى بأوراق كثيرة، وبعضها ذات طبيعة خاصة، فيقرر ان يذهب بالسلة الى المطبخ ليفرغها في كيس الزبالة، وهناك يتبين له ان الكيس ممتلئ ويتطلب تفريغه، ووضع كيس جديد مكانه، وحيث انه في المطبخ، فإنه سيؤدي كل تلك الامور بعد ان يعد لنفسه فنجانا من القهوة، فهو لا يزال «على الريق» يضع «الركوة» على الغاز لتسخينها، وهنا يقول لنفسه ان القهوة ستكون اكثر متعة لو صاحبتها سيجارة تسهل دخوله، او خروجه من الحمام، فيصعد إلى غرفة النوم لجلب سجائره فتوقظ الجلبة التي احدثها زوجته المتوعكة، فتقوم من نومها وتطلب منه ان يحضر لها كوبا من الماء لتتناول ادويتها، وفي طريقه إلى براد الماء في الممر يتذكر انه نسي الركوة على سخان الغاز، فينزل الدرج مهرولا لاطفائه، وفي المطبخ يكتشف انه لم يشعل الغاز اصلا، فيترك المطبخ ويتجه إلى غرفة النوم لتلبية طلب زوجته، وفي منتصف الدرج يتوقف ليتذكر ما طلبته، ولكنه يستمر في الصعود ليسألها عن طلبها، هناك يرى انها قد عادت للنوم فلم يرد ايقاظها، ويتركها لحالها وينزل الدرج ببطء فقد تشوش ذهنه كثيراً، وفجأة تذكر ان كيس الزبالة الذي أصبحت رائحته تملأ البيت يحتاج الى ان يحكم ربطه ويأخذه إلى الخارج، وفي المطبخ يتذكر قهوته، وينسى سيجارته فيسخن الماء ويضع ملعقتي قهوة في «الركوة» ويحركها وما ان تغلي حتى يسكبها في الفنجان، وحيث انه عادة ما يفضلها باردة فقد وضعها جانبا لكي تبرد، وهنا تذكر انه لم يقم بقراءة بريده، فربما تكون هناك رسالة ذات اهمية خاصة، فيقرر الذهاب الى غرفة النوم لاحضار نظارته، وعند بداية الدرج تلفت «فازة» الزهور الجميلة -التي أرسلها الجيران لزوجته البارحة بسبب مرضها والتي أعجبتها كثيراً- نظره، ويلاحظ جفاف اوراقها وانها بحاجة الى الماء، فيعود الى المطبخ لجلب البعض منه، وعند وقوفه امام نافذة المطبخ، وهو يملأ الخزان الصغير يرى من خلال النافذة انه لم يغلق حنفية الماء، ولم يقرأ صحف الصباح، فيضع الماء جانبا ويتجه إلى الخارج، فيسمع مواء القطة تناديه، بصوت لا تصدره الا اذا كانت جائعة فيعود الى غرفة «المونة» ليحضر علبة طعامها، وهناك يكتشف ان النمل قد تسرب الى طعام القطة، وملأ المكان، فيأخذ العلبة إلى المغسلة ويفرغها هناك، وتجمد يده وهو ساهم، متسائلا: لقد نسيت القيام بشيء ما، وعليّ الجلوس لتذكره!
والآن قد يكون البعض منكم قد وصل الى هذه المرحلة، وهذا ليس بالأمر الخطر، فستكون قد نسيت كل ما قرأته قبل لحظات، وقد تكون في منتصف المرحلة، وعليك ان تجد للأمر حلا، وقد تضحك من القصة لاعتقادك انك بعيد عنها، ولكن سرعان ما ستكتشف انك تقترب من اعراضها بقوة دفع خارجية لا تعرف سببها، اثناء ذلك ما علينا جميعاً الا ان نبتسم، فالحياة جميلة ويجب ألا نترك السفهاء والطغاة والمتشددين منا يجعلونها غير ذلك.