العلاقة بين الفقر والتديّن

14 اكتوبر  2010

   
بيّن استطلاع أجراه معهد غالوب الأميركي للأبحاث أنه كلما زاد فقر الدولة وتخلّفها كان للعامل الديني دور أكبر في حياة السكان. فبنغلاديش الأفقر عالميا هي الأكثر تدينا، فـ %99 من شعبها يعطي الدين أهمية قصوى، والعكس في السويد، والدول الاسكندنافية عموما، فهي أقل اهتماماً بالنواحي الدينية، وهي في الوقت نفسه أغنى دول العالم، حيث يهتم %17 فقط من شعبها بالقضايا الدينية. وربط الاستطلاع بين تزايد أهمية الدين في حياة الأشخاص، وتزايد معدلات الفقر في بلادهم، وكمثال النيجر واليمن واندونيسيا ومالاوي وسريلانكا والصومال وجيبوتي وموريتانيا وبوروندي. وكشف الاستطلاع الذي أجري في 114 دولة على مستوى العالم، وتم نشره على الموقع الإلكتروني للمعهد، أن هناك علاقة عكسية بين ارتفاع نسبة دخل الفرد سنوياً، وأهمية الدين في حياته، موضحاً أنه إذا كان دخل الفرد يتراوح بين صفر و2000 دولار سنوياً، فإن أهمية الدين تصل إلى %95، ثم تقل إلى %92 إذا كانت نسبة الدخل بين2000 و5000 دولار سنوياً، ثم تتناقص إلى %82 إذا كان مستوى الدخل بين 5001 و12500 دولار سنويا، لتصل إلى أقل نسبة لها وهي %47 حينما يزيد الدخل السنوي للأفراد على 25 ألف دولار سنوياً. وجاء في التقرير أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي حققت المفارقة في هذه العلاقة، إذ على الرغم من كونها إحدى أغنى دول العالم، إلا أن %65 من شعبها يرون أن الدين مهم في حياتهم اليومية، على عكس الدول الغنية المتقدمة الأخرى.
وذكر الاستطلاع أن الدول الثرية بكل شيء، والتي بها أقل معدلات الاهتمام بالدين في الحياة اليومية هي: أوستينا، والسويد، والدانمرك، واليابان، والصين، والمملكة المتحدة، وفيتنام، وفرنسا، وروسيا، وبيلاروس، إذ سجلت الأخيرة نسبة %34 من شعبها يهتم بالمسائل الدينية في حياته اليومية، فيما سجلت أوستينا %16.
وشمل الاستطلاع أيضاً عدداً من الدول العربية والأفريقية والإسلامية التي تفاوتت نسب أهمية الدين في الحياة اليومية لشعوبها، إلا أنها بقيت نسبا مرتفعة، وكانت المفاجأة (لمن قام بالاستفتاء) أن تأتي مصر، رائدة التنوير في العقود الماضية، على رأس قائمة الدول الأفريقية والعربية من ناحية اهتمام شعبها بالقضايا الدينية، حيث بلغت النسبة %97، تليها السعودية وتركيا والجزائر والكويت، وكانت هذه الدول متقدمة (أو متأخرة!) على البحرين والإمارات وقطر وعمان والمغرب. كما كانت المفاجأة الثالثة تجاوز النسبة في سوريا الـ %80. وقد نُشر التقرير كاملا في جريدة «المصري اليوم»!
ونعتقد أن هناك ملاحظات جادة على الاستبيان، فبالرغم من صغر عدد من شارك فيه، بسبب تعدد الدول المشاركة، إلا أن المعهد ربما اعتمد على مجموعة من الحقائق المعروفة الأخرى في الوصول إلى ما توصل إليه. ففيتنام، البوذية تاريخيا، لا ينتشر فيها الاهتمام بالدين مثل غيرها، إلا أنها أكثر فقرا من دول مجاورة لها مثل تايلند، الشديدة التدين. كما نجد أن تخلف الدول النفطية، بالرغم من غناها، وتعمّق المشاعر الدينية في أميركا بالرغم من ثرائها، ربما يعودان لوجود جهات تستفيد من أوضاعها الدينية وتحقق منها أرباحا مالية من خلال جمعياتها أو مؤسساتها الدينية. وفي السياق نفسه لوحظ أن «مظاهر» التدين في رمضان الماضي في الكويت فاقت أية سنة قبلها بكثير، ولكن صاحبتها «مظاهر» تخلف مساوية لها! ففي الوقت الذي زاد عدد من أحيوا العشر الأواخر من رمضان في مسجد الدولة من 50 ألفا إلى 75 ألفا إلى 90 ألفا، ليبلغ 160 ألف مصلّ في ليلة 27 رمضان، وطالعتنا الصحف في الفترة نفسها تقريبا أن كويتيا ضُبط وفي ملفه أسماء 63 ابنا «مزورا»! وأنه تم الكشف عن تعيين 63 طبيبا بشهادات مزورة! وأن 29 ألف كويتي ممنوعون من السفر، أي 3 من بين كل مائة كويتي! وأن 15 ألف قضية أمام المحاكم، غالبية أطرافها مواطنون! وأن النيابة العامة تطالب المواطنين بـ 60 مليون دينار! فإذا كانت هذه حال الكويت الصغيرة والمرفهة والمدللة، فما هي حال باكستان ومصر ونيجيريا؟