العلمانية والعقل والحل

19 اكتوبر  2010

يقول فكتور هوغو THOSE who make you believe in absurdities can make you commit atrocities
أولئك الذين بإمكانهم دفعك للاعتقاد بسخائف الأمور بإمكانهم أيضاً دفعك لارتكاب الفظائع.
* * *
كان رجل يسير على جسر عال عندما شاهد شخصاً يتسلق حاجز الجسر بقصد الانتحار، فصاح به أن يتوقف عن فعلته. وعندما أصبح بقربه سأله، لماذا يود قتل نفسه، فنظر إليه هذا بحزن وسأله عما يدفعه للإنصات إليه بعد أن فقد الأمل في كل شيء. فسأله الرجل إن كان مؤمناً أم ملحداً فرد هذا قائلاً: إنه مؤمن، فسأله إن كان مسيحياً، أم بوذياً أم يهودياً، فرد الآخر بأنه مسيحي. فرد صاحبنا بفرح ظاهر، قائلاً: وأنا كذلك. ثم سأله إن كان بروتستانتياً أم كاثوليكياً، فقال إنه بروتستانتي، فصاح هذا بحبور أكبر، وأنا كذلك. واقترب منه خطوة أخرى، وسأله إن كان بروتستانتياً معمدانياً أم بروتستانتياً من الكنيسة الابسكولونية، فرد بأنه من المعمدانية، فصاح صاحبنا ببهجة، وقال وأنا كذلك. ثم سأله إن كان من الكنيسة المعمدانية التابعة للرب أم من الكنيسة المعمدانية الإلهية فقال إنه من المعمدانية التابعة للرب، فصاح والدموع تترقرق في عينيه وهو يقول: وأنا كذلك. وسأله بصوت تخنقه العبرات إن كان من المعمدانية الإصلاحية الأصلية أم المعمدانية الإصلاحية المعدلة، فقال إنه من المعدلة، فنظر له الرجل باستغراب عجيب لهذه الصدفة واقترب منه كثيراً حتى أصبح بمحاذاة قدمه، وقال: وأنا كذلك. وسأله إن كان ينتمي للكنيسة المعدلة في عام 1789 أو المعدلة في عام 1915، فرد قائلاً إنه ينتمي للمعدلة سنة 1915، فقام الرجل بدفعه إلى النهر ليلقى حتفه، وهو يقول: اذهب إلى الجحيم أيها الكافر!
تبين هذه النكتة التي توزع على الإنترنت أن البعض، وربما الأغلبية، على استعداد لأخذ أكثر المواقف تطرفاً لأسباب أكثر من واهية، فالبحث عن أوجه الخلاف الديني أو العقائدي مع الآخرين وبناء المواقف عليها عملية ليست صعبة، ولو بحثنا في أسباب الأزمة الطائفية التي مرت بها الكويت أخيراً لوجدنا أن كل من شارك فيها برأي أو موقف من هذا الطرف لا بد أنه بنى رأيه أو موقفه على معطيات تاريخية راسخة في ذهنه. والحال نفسه ينطبق على الطرف الآخر الذي فعل الشيء ذاته من منطلقات أو تأويلات وتفسيرات محددة موجودة في ذهنه كما في ذهن غيره، فمن على حق هنا؟
وفي جميع الأحوال نرى أن فرص الاتفاق بين الطرفين أكثر من فرص الاختلاف، ولكن العاطفة الجاهلة، والأطراف المستفيدة من وجود الخلاف وما أكثرها، تدفع دائماً بنقاط الاختلاف إلى السطح، بحيث لا يمكن قبول أو رؤية غيرها، وهنا يغيب العقل وتسيطر العاطفة «الجاهلة» على النفوس والتصرفات، ويظهر الحمق في أروع أشكاله!
وبالتالي لا يصبح أمام المجتمعات المماثلة لنا غير اتباع العلمانية سبيلاً، وهي التي حاول بعض المعممين ومن مسدلي الغتر على رؤوسهم تصويرها بكونها معادية للدين، والعكس أكثر صحة، فليس هناك من حماية للأديان والمعتقدات من تسلط الدولة والجهلة كالعلمانية، فهنري الثامن، ملك إنكلترا، هجر الكاثوليكية، عندما رفض الكرسي البابوي طلبه بالموافقة على تطليق زوجته، وأجبر شعبه على اتباع البروتستانتية التي عين نفسه، وذريته من بعده على رأس كنيستها، نقول ذلك بصرف النظر عن أي المذهبين، أو الدينين، أقرب للصحة. والأمثلة على تسلط الدولة على الدين والدين على الدولة أكثر من أن تحصى وتعد، وبالتالي فالعلمانية، التي يرهبها رجال الدين لأنها تكشف تسلطهم وتحكمهم في رجال السياسة، هي التي كانت السبب في تقدم جميع المجتمعات الغربية إنسانياً وعلمياً وسياسياً وثقافياً، وبغير اتباعها لا يمكن للنفوس أن تهدأ، ولا أن يطمئن أي طرف لسلامته إن بقي على معتقده أو يهدأ باله من الاعتداء عليه وتكفيره فقط، لأنه فسر بعض الأمور «الخلافية»، وهي خلافية أصلاً، بطريقة مختلفة!