نحن والعلمانية والبابا

23 اكتوبر  2010

كتب الزميل أمير طاهري البريطاني والإيراني الأصل مقالاً في «الشرق الأوسط» (9/24) عن العلمانية في رد على اتهامات البابا بنديكت السادس عشر غير المباشرة للعلمانية. وكانت اتهامات البابا موضوع نقاش سياسي في بريطانيا، التي زارها أخيراً، حيث دعا في إحدى خطبه إلى العودة للقيم الدينية، مهاجماً العلمانية باعتبارها المسؤولة عن مشكلات الغرب الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وغني عن القول هنا أن الكثير من منتقدي البابا لم يستطيعوا مقاومة تذكيره بأن الفضائح الجنسية داخل الكنيسة الكاثوليكية لقرون، والتي هزت أرجل الكرسي الرسولي من أسسه، لا علاقة للعلمانية بها!
ولاعتقادنا بأن مقال السيد طاهري يعتبر من أدق ما كتب في العلمانية، فقد ارتأينا تلخيصه لكي تعم فائدته أكبر عدد من القراء. يقول طاهري إن البابا بتحميله العلمانية وزر مشكلات المجتمعات الغربية قد ارتكب خمسة أخطاء واضحة. فخطأه الأول أنه سمح لأن يضلل في هجاء كلمة «علمانية» باللغة الإنكليزية، فمقطعها الأخير يشير الى نحو خاطئ إلى أنها أيديولوجية كالاشتراكية والشيوعية وغيرها، علماً أنها ليست كذلك، ولا تعرض وجهة نظر كلية للوجود البشري، ولا تتبنى موقفاً من قضايا سياسية واقتصادية وأخلاقية معينة.
ويكمن الخطأ الثاني في اعتبار العلمانية إلحاداً! علماً أن لا علاقة لها بالإلحاد، فالإلحاد أيديولوجية قائمة على رفض أي تفسير ديني للوجود. بيد أن العلمانية تتبنى موقفاً محايداً إزاء جميع التفسيرات الدينية القديمة والحالية والمستقبلية. وقد يكون لدى الملحدين مقارهم ومؤسساتهم وأنبياؤهم، ولكن العلمانية ليس لها أي تنظيم ولا أنبياء، ولا تروج لأي عقيدة.
والخطأ الثالث هو أن العلمانية تنكر الحاجة إلى قواعد أخلاقية! ونجد هنا أيضاً أن لا أسس تدعم هذا الادعاء، فهناك مئات المؤيدين الكبار للعلمانية في التاريخ، والذين لم يعرف عنهم غير الاستقامة الأخلاقية لدرجة المثالية.
والخطأ الرابع، حسب قوله، يكمن في أن العلمانية تريد أن تبعد الدين عن السياسة. وهذه التهمة، حسب رأي الكاتب طاهري، غير صحيحة أيضاً، فالعلمانيون يعلمون أن لا أحد في إمكانه القضاء على المعتقدات الدينية لأي فرد، أو طمسها. ومعتقدات الفرد الدينية تؤثر عادة في خياراته السياسية وتمليها عليه، وإجبار الناس على اتخاذ خيارات سياسية ضد معتقداتهم الدينية يعد إحدى صور الاستبداد، والعلمانية أبعد ما تكون عن ذلك، لكننا نعتقد من جهة أخرى أن العلمانية تسعى إلى فصل الدين عن الدولة أو الحكم، لكي تحمي الجهتين بحيث لا تطغى جهة على أخرى.
والخطأ الخامس، وقد يكون الأكثر خطورة، الادعاء بأن العلمانية والدين متعارضان. وبمعنى آخر، إذا كنت علمانياً، فإنك لا تستطيع أن تحمل معتقدات دينية. ولكننا نلتقي في حياتنا اليومية بالكثيرين من المؤمنين بالعلمانية من أصحاب المعتقدات الدينية الراسخة.
وفي الختام يطرح الكاتب تساؤلاً جدياً يقول: حسناً، إذا لم تكن العلمانية أياً مما سبق، فما هي إذن؟ ولماذا يجب أن نفكر فيها؟ والإجابة أن العلمانية، على الرغم من المقطع الأخير المضلل بها، ليست أيديولوجية، لكنها وسيلة لتنظيم الفضاء العام. ووفقاً لهذه الوسيلة، وبما أن الفضاء العام يخص الجميع، فلا يمكن تنظيمه على أساس المعتقدات الدينية للبعض، أو حتى للأغلبية، ففي العلمانية هناك مساحة لكل من الدين والعقل. ولا تمنع العلمانية أحداً من رؤية اللامرئي الديني بالطريقة التي يحبها، بل وتقدم فضاء وحماية لجميع طرق رؤية اللامرئي. وغالباً ما يعرف الناس العلمانية على أنها الفصل بين الكنيسة والدولة، أما وقد جرى تحجيم جميع الكنائس في الغرب العلماني والمتقدم، فإن هذا التعريف قد لا يكون كافياً.
والتعريف الأفضل هو الملكية المشتركة للفضاء العام، ويعني ذلك اتخاذ قرارات سياسية وفقاً للضرورات السياسية لا الدينية، وبما يخدم مصالح الأغلبية، مع المحافظة على حقوق الأقليات. فزيارة البابا، وهي الأولى منذ 800 عام، لقلعة البروتستانتية في العالم، ما كانت لتتم لولا علمانية بريطانيا، وهي نفسها التي قتلت الكثير من الكاثوليك، وحرقت بيوتهم، ولم تكن تسمح لهم، حتى وقت قريب، ببناء الكنائس الكاثوليكية فيها، أو حتى ترميم القديم منها، كما أن العلمانية التي ينتقدها البابا بنديكت غيرت كل ذلك، وهي التي مكنته من انتقادها علناً، وغيرها من سمات الحياة البريطانية بحرية كاملة، في الوقت نفسه الذي يدعو فيه البابا إلى تقييد بعض الحريات التي يتمتع بها الآخرون باسم العقيدة الدينية! كما أن البابا يستمتع بصورة كاملة بحرية الاعتقاد والممارسة والنشر، وذلك تحت ظل وبفضل العلمانية.
فهل العلمانية بعد كل هذا بمثل هذا السوء الذي يعتقده بعض السذج؟