لماذا لديهم أم تريزا؟

11 ديسمبر  2012

كان لمقال «مَن القديس ومَن المجرم؟» حظ كبير من التعليقات، وحتى «الشتائم». وقد نبهني قارئ لخطأ في المقال تعلق بوطن الأم تريزا، وانها ألبانية، وليست برتغالية، كما ورد في مقالي! دفعني هذا للبحث أكثر في موضوع جمهورية ألبانيا، التي كانت لقرون، الدولة المسلمة الوحيدة في أوروبا، قبل ان يميل أتاتورك بدولته الفتية نحو أوروبا ولتتبعها البوسنة، بغالبيتها المسلمة وتصبح الدولة الثانية في أوروبا، بعد استقلالها، ولتلحق بهما كوسوفو التي لا تزال تصارع لتثبت وجودها. كانت ألبانيا طوال تاريخها دولة هامشية، ولم يشتهر من شعبها أحد تقريبا، واسمها الرسمي، بلغتها، «شغيبريسي Shqipërise»، ولا أعرف لماذا اشتهرت بــ «ألبانيا»! ويبلغ عدد سكانها 3 ملايين، وهي دولة طاردة، بسبب فقرها، فقد امتد شعبها ليغطي كوسوفو والجبل الأسود والبوسنة وغيرها، وبقيت الدولة تحت الحكم العثماني خمسة قرون قبل أن يسيطر الصرب واليونانيون عليها! ومع الحرب العالمية الثانية احتلها موسوليني، وعين الملك حمد زوغو حاكما عليها. وبعد الحرب سيطر الشيوعيون على ألبانيا ليصبح أنور خوجه Hoxha Enver زعيما لها لأربعين عاما، حول خلالها ولاءه من روسيا إلى الصين! وعندما توفي عام 1985 انفتحت ألبانيا على العالم، وإن ببطء، وانتخب فيها أول رئيس غير شيوعي.
ولدت آغنيس غونكزا بوجاكسيو عام 1910 في عائلة يوغسلافية تعود بأصولها للأقلية المسيحية في ألبانيا، وكانت تعمل فلاحة في بداية حياتها، قبل أن تتعلم في مدارس الرهبان اليسوعيين في بلدها يوغسلافيا، وترسل في أواخر عشرينات القرن الماضي إلى ايرلندا لتلقي التأهيل الديني، ومن بعدها للبنغال، ولتصبح بعدها راهبة وتتسمى بـ «الأخت تريزا». ركزت الأم تريزا، وهو اسمها بعد أن نذرت نفسها للرهبنة، جهودها على المعدمين والأطفال المهملين والعجزة والمصابين بالجذام، ودفعتها اهتماماتها للسفر للهند والبقاء فيها والانطلاق منها لغيرها لمساعدة المنكوبين والمحتاجين، وكسبت جهودها الخيرة طوال نصف قرن احترام كل الدول وقادة العالم، ومنحت أعلى الأوسمة والجوائز وأرفع الألقاب، ونالت تقديرا لم تنله امرأة في التاريخ. وبالرغم من إيمانها المسيحي الذي ظهر في الكثير من أقوالها الشهيرة، فإن يومياتها كشفت جانبا مخفيا من شخصيتها الشكاكة والقلقة وأزمة إيمان حادة، إلا أن ذلك لم يمنع الفاتيكان من تطويبها كقديسة، مبررة ذلك بأن جوانب الروح المظلمة شأن معروف لدى الكثير من القديسين.

والآن لماذا لا توجد في مجتمعاتنا رائدات أعمال خير عالمية تشبه «أم تريزا»، ولو من طرف بعيد؟ الجواب واضح ومعروف ونتركه لمقال مقبل، إن رأى النور.