الإنكليزي.. البغيض!

16 ديسمبر  2010

على الرغم من التاريخ الاستعماري البغيض الذي اشتهر به الإنكليز، فان من الصعب عدم الاعتراف لهم بقدرات ومعارف لم تتوافر لغيرهم، وهي التي مكنتهم من خلق أكبر إمبراطورية استعمارية عرفتها البشرية، والاحتفاظ بها لأطول فترة. والحقيقة أن الكثير من الدول، حتى المتحمسة دينيا، مارست نوعا أو آخر من الاستعمار المشابه، وإن بصورة اكثر قسوة وبشاعة، وقلة من الزعامات والدول التي لا توجد لديها نوازع استعمارية ورغبة في استغلال قدرات الغير و«نهب» ثرواتهم، وعمليات الفتح الدينية هي نوع من الاستعمار السيئ السمعة.
تسنت لي معرفة الشعب الإنكليزي والعيش بينه قرابة ست سنوات، بخلاف عشرات الزيارات المتقطعة الأخرى، واستطيع القول إنهم، وبعد قطع صلتهم بتاريخهم الاستعماري السابق، من اكثر شعوب الأرض رقيا في التعامل مع الآخر واحتراما له.
في أواخر الستينات، أخبرني شاب كويتي أنه بحاجة الى استشارة طبية غير مكلفة، بسبب ظروفه المالية، فأخبرته بأن العلاج في لندن مجاني! التقيته بعد اسبوع فأعلمني أنه تعالج ووصفوا له خمس ابر، وانه شعر بتحسن كبير بعد الثانية وتوقف عن أخذ الباقي، لكنه يشعر بالخوف لأن بواب مسكنه أخبره أن طبيبا يبحث عنه، وأنه زاره مرتين وانتظره في «اللوبي» مرات، وقد يخبر الشرطة عنه، وأنه يطلب مساعدتي! هدأت من روعه وذهبت معه إلى المستشفى، وتبين هناك أنه مصاب بمرض جنسي مُعدٍ وأن طبيبه خاف من أن يقوم صاحبنا بأي اتصال جنسي، قبل شفائه التام، ونقل المرض الى غيره، وأن إنسانيته وإحساسه بالمسؤولية دفعاه الى زيارة سكن الشاب لأكثر من 5 مرات خلال اسبوع! فكم نسبة من لديه مثل هذا الاحساس بالمسؤولية بيننا؟!
وفي منتصف الثمانينات، تقدمت بطلب الحصول على إجازة قيادة مركبة، وقبل الاختبار سألت من أعرف عن الأمور التي يجب التركيز عليها أثناء الفحص، فقال الأول: احرص على تعديل المرآة العاكسة قبل التحرك بالسيارة، وطلب آخر أن أربط حزام الأمان ونصح ثالث بتشغيل الاشارة قبل السير، لكن الجميع طلب مني عدم تبادل الحديث مع المفتش أو الفاحص أو مجاملته أو رشوته، فهذا كاف لأن اسقط في الاختبار إلى الأبد.. ولا أدري ما أصبح عليه الوضع الآن بعد ان دخل جماعتنا، وأولاد العم الآخرون، في كل مرفق حكومي في بريطانيا! لكن وقتها لم يكن بإمكاني غير الاعجاب الشديد بكل تلك الأمانة والانضباطية في العمل، اللتين نفتقدهما في بلادنا بشكل واضح! وغني عن القول أننا لسنا مجبرين على الاعجاب بمن استعمر بلداننا لعقود طويلة، لكن لماذا نعجز دائما - وبشكل بائس - في أن نتعلم منهم كيفية احترام العمل ومشاعر الغير؟!