صحة الأمة والقراءة

19 ديسمبر  2010

أرسل لي الزميل السابق، والذري الحالي أحمد بشارة، نص بحث بعنوان «إغلاق الكتاب الأميركي»، نشر في «النيويورك تايمز» في شهر يوليو الماضي، بقلم أندرو سولومون الذي يبدو أنه سيكولوجي! وقد قمت بترجمة النص في حينه بتصرف كبير، ولكني نسيته بين أوراقي:
«أظهر مسح ميداني أجري في الولايات المتحدة، ونشر في الثامن من يوليو، أن القراءة لغرض الاستمتاع في انخفاض مستمر بين جميع أفراد المجتمع الأميركي، كبارا وصغارا، أغنياء وفقراء، متعلمين وغير ذلك، نساء ورجالا، بيضا وسودا وغيرهم. وبين التقرير أن الذين يقرأون للمتعة هم الاكثر ارتيادا للمتاحف والحفلات الموسيقية. كما أن نسبة تطوع هؤلاء للعمل من دون مقابل في مختلف المجالات الانسانية اكثر بثلاثة أضعاف من الذين لا يقرأون. كما تبلغ نسبة مرتادي المباريات الرياضية، من قراء الكتب، ضعف غيرهم. وكل هذا يعني ان قراء الكتاب هم أكثر نشاطا من غيرهم، بينما اكتفى الآخرون، الذين تزيد نسبتهم على الضعف، باللامبالاة. وقد أدى هذا الى خلق شق اجتماعي بين أولئك الذين يعتبرون الحياة تجربة معرفية منعشة، وأولئك الذين يعتبرون بلوغ سن الرشد أو الإدراك مجرد عملية ضمور فكري بحت. والتحول الى هذا الأمر الأخير أمر مرعب حقا. فبالرغم من أنه لا يمكن اعتبار القراءة نوعا من التعبير النشط كالكتابة، فإنها في الوقت نفسه ليست نشاطا سلبيا، فالقراءة تتطلب بذل جهد محدد اضافة الى الحاجة الى التركيز والانتباه. وفي المقابل تعمل القراءة على تحفيز الذهن وتنمية الشعور الإيجابي. وقد قال كافكا إن الكتاب فأس نكسر بها ثلوج البحار التي تجمدت في داخلنا. إن ما يمكن التعبير عنه من خلال اعادة ترتيب 26 حرفاً (عدد حروف الانكليزية) أمر يدعو الى الدهشة حقا.
فالاعلام الالكتروني الحديث يميل الى التخدير، بالرغم من وجود برامج تلفزيونية جيدة وكتابات جديرة بالقراءة من خلال الانترنت، ومتابعة برامج الألعاب الالكترونية التي تختبر المنطق، ولكنه يشكو بشكل واضح من قصور ذاتي. فالتلفزيون مثلا يستخدم من غالبية مشاهديه كوسيلة لتحويل اذهانهم عن التفكير بدلا من جعله وسيلة للتفكير. في الوقت الذي لا تشكل فيه مشاهدة التلفزيون خطورة على معتادي القراءة. ولكن بالنسبة لأولئك الذين يكتفون بمشاهدة التلفزيون وعدم المطالعة، فإن تأثير ذلك خطير جدا عليهم.
لقد كان موضوع كتابي الأخير يتعلق بالاكتئاب. وكثيرا ما أسأل عن سبب الزيادة المستمرة في اعداد المكتئبين في العالم. وأنا أتكلم هنا عن الشعور بالوحدة الذي يأتي غالبا عند الجلوس لفترات طويلة أمام التلفزيون، أو الكمبيوتر، أو بالانشغال بألعاب الفيديو.
ان القراءة مدخل للتحدث مع طرف آخر. والكتاب يمكن أن يكون صديقا، ولكنه صديق يتكلم معك ولا يتكلم باتجاهك، وهذا يعني أن نسبة الاصابة بالاكتئاب يجب أن ترتفع عندما تنخفض نسبة القراءة، والعكس صحيح. كما أن هناك اثباتات مقنعة تبين أن التصاعد في معدلات الاصابة بــ«الزهايمر» ما هي الا انعكاسات لنقص النشاط الذهني عند البالغين. وفي الوقت الذي يبدو فيه أن أسباب هذا المرض وراثية بشكل أساسي ويحفز عن طريق الظروف البيئية، فإنه يبدو من الواضح كذلك ان اكتساب المعرفة المستمر الناتج بشكل أساسي عن القراءة لدى هؤلاء قد يساعدهم بشكل رئيسي في تجنب الاصابة بالمرض.
وعندما كنت طالبا، قمت بزيارة لبرلين الشرقية، وهناك رأيت الموقع الذي كان النازيون يحرقون فيه الكتب الجامعية لاعتقادهم بتأثيرها السلبي على معنويات الجنود! وقد كان النازيون محقين في اعتقادهم، فالكتاب هو أمضى سلاح في حرب المبادئ. (ولهذا يحارب ملالوتنا الكتاب).
ويعتقد الكاتب ان الكتاب هو من أمضى أسلحة أميركا في محاربة التبعية والارهاب. وإن الإنسان هو في الحقيقة ما يقرأ، فإن كان لا يقرأ شيئاً، فهو في الغالب لا شيء، وان مشكلة عدم القراءة مشكلة وطنية. فإذا كان هذا ما يقوله الأميركان عن مجتمعهم، فما عسانا أن نقول؟