هكذا الدنيا

6 يناير  2011

لأمور كثيرة في حياتنا حساسية معينة نتحرج في الحديث عنها وفيها، ولا نرغب حتى أن يذكرنا الآخرون بها! فتواجد ذوي الأصول الفارسية في الضفة الغربية من الخليج خلال السنوات الثلاثمائة الماضية، وفي العراق قبل ذلك بكثير، ومنذ البرامكة ونكبتهم، وما تلا ذلك من تاريخ طويل من الخلاف، الذي وصل ذروته في عهد عبدالناصر واختلافه مع شاه إيران وقتها، كان دائماً موضع حساسية مفرطة بين الطرفين، وكل أسبابه، وساهم في تجذر الخلاف تباين مذهبي الطرفين، إضافة إلى فوارق اللغة والعرق! وهذا الوضع نتج نتيجة الشك والجهل المتبادلين، خاصة عندما تلعب السياسة دورها في تفرقتهم. ولا تقتصر هذه الظاهرة بالطبع على منطقتنا، بل تشمل دولاً أخرى، ولكن مع تقدم المجتمعات وانصهار أقلياتها في المجتمع الأكبر وانحسار دور رجل الدين، تتلاشى تلك الفروق العرقية والمذهبية مع الوقت لتصبح غير ذات أهمية، ورأينا شيئاً من هذا بين العرب السنة والفرس المنتمين إلى المذهب نفسه، وهذا ما لم يحدث بشكل واسع مع الطرف الآخر ، ربما تعارض التقارب مع مصالح بعض السياسيين والمتنفذين ورجال الدين . وجدير بالذكر هنا أن الزواج المختلط بين اتباع مذهبي الكويت وعرقيها الرئيسيين كان أكثر شيوعاً في فترة ما، ولكنه اتجه ضد مسار التاريخ في العقود القليلة الأخيرة وأصبح الآن أكثر ندرة، على الرغم من زيادة نسبة المتعلمين، وجاء ذلك ربما بسبب زيادة عدد ونفوذ رجال الدين عند الطرفين، وزيادة مخاوف الكثيرين من مثل هذا النوع من المصاهرة، التي عادة ما تساهم في تقارب الأسر، والأفكار بالتالي!
وفي السياق نفسه، يقال إن وزير خارجية إيران الجديد، علي أكبر صالحي، ولد ونشأ في العراق، ولكن لم يثر تعيينه أي ضجة في بلده، ربما بسبب عدم تخوف النظام من ولاء الوزير، طالما أنه إيراني شيعي! ولكن الوضع كان سيكون خلاف ذلك لو كان وزير خارجية العراق مثلاً، أو أي من دولنا، من منشأ أو مولد إيراني، هنا تبدأ الحساسية بالظهور! كما أن عدداً من كبار موظفي الدولة وفي السلكين القضائي والدبلوماسي من مواليد العراق. كما أخبرني البعض أن من الطبيعي ملاحظة اللافتات المكتوبة باللغة العربية تملأ شوارع العاصمة الإيرانية ومدنها الكبرى خصوصاً في المناسبات الدينية، وليس من السهل تخيل حدوث ذلك لدينا، كما أن النسبة الأكبر من كبار رجال الدين في إيران يتكلمون العربية بصورة جيدة، ولا يتم التعامل معهم بأية حساسية، وربما العكس هو الصحيح. أما عندنا فلا أعتقد أن أياً من حكوماتنا، الخليجية على الأقل، حاولت مثلاً تعيين سفير في إيران يتقن الفارسية، على الرغم من كل حسنات القرار، وربما يعود سبب الرفض إلى حساسية مسؤولينا من الاعتراف بأن هناك من يتقن الفارسية بيننا!
نكتب لنقول إننا نعرف بأن هذا حال الدنيا، ولكن الغلبة والراحة لمن سيطر على صغائر أحقاده وجعلها من الماضي، فمصيرنا، جغرافياً على الأقل، أن نعيش مع بعضنا بسلام أو بغيره، والأفضل الاستفادة من الأمور المشتركة، ومحاولة التقليل من دور رجال الدين في التحكم بعلاقات الجوار بيننا، فقوتهم تعتمد في فرقة غيرهم وتخويف كل طرف من الآخر ومن ثم الاستفادة من كل ذلك ماديا ومعنوياً!
***
ملاحظة: يصادف اليوم عيد ميلاد المسيح، حسب التقويم الشرقي، وتضامناً مع أهالي ضحايا الاعتداء الآثم الذي تعرضت له الكنيسة القبطية في الإسكندرية، وما سبقه من اعتداء مجرم على كنيسة سيدة النجاة في العراق، فإننا نشارك الجميع عزاءهم ونعتذر لهم عن عدم قدرتنا تهنئتهم بالعيد، وعما قام به السفهاء في حقهم وحق الوحدة الوطنية والرحمة الإنسانية.