ثورة محمد البوعزيزي

17 يناير  2011

ما إن نجح الخميني في قيادة ثورة الشارع الإيراني من منفاه على حكم الشاه حتى انتابتني مشاعر متضاربة وتوجس وخوف من المصير القاتم الذي ينتظر المنطقة، بعد تولي رجل دين صارم لقيادة واحدة من أكبر واكثر دول المنطقة طموحا، ولكن ما حصل بعد ذلك من أهوال فاق توقعاتي! وبالرغم من ذلك لا يمكن إلا الاعتراف بأن ثورة الشعب الإيراني الأعزل وغالي تضحياته هما اللذان أديا في النهاية الى الإطاحة بواحد من أشرس الأنظمة، وتعتبر الثورة الشعبية الثالثة من نوعها في التاريخ الحديث بعد الثورة الفرنسية والروسية! أحداث تونس الأخيرة التي استطاع فيها الشعب الأعزل، ومن خلال تضحيات الكثيرين من أبنائه بأرواحهم ودمائهم، من اسقاط نظام مخابراتي فاسد، سوف تعتبر بحكم التاريخ مقاربة في مظاهرها الثورة الإيرانية، فالبدايات الاجتماعية لانتفاضة الشعب التونسي هي التي أدت للنهايات السياسية على الساحة، والتي قضت على خرافة الاستقرار السياسي والاقتصادي لتونس! وإن ما حصل ما هو إلا نتيجة لفشل القيادة في قراءة معطيات عصر الاتصالات السريعة والإنترنت الذي نعيشه، الذي جعل من الصعب على اي حاكم الاستمرار في نكران حقوق شعبه في الحرية والكرامة والعمل، أسوة بما تتمتع به غالبية دول العالم! فقيام محمد البوعزيزي، الذي ادت تضحيته الغالية التي تمثلت بإشعال النار في نفسه أمام بلدية منطقته، بعد أن تعرض للإهانة ومصادرة عربة نقل الخضار التي يرتزق منها، وهو الخريج الجامعي العاطل عن العمل، أدت الى اطلاق شرارة ثورة الشارع التونسي، وكشف الواقع البائس الذي يعيشه نصف مليون شاب عاطل ومحروم من كافة حقوقه الإنسانية والسياسية منذ عقود طويلة، فالإنسان لا يحيا بالخبز وحده، وانتحار البوعزيزي ورفاقه حرقا أدى الى هرب زين العابدين بن علي، رجل المخابرات القوي، الى الخارج، بعد أن عاث في وطنه فسادا وكاد ينجح في قتل كرامتهم التي انتفض من أجلها البوعزيزي ورفاقه!
إن ما حصل في تونس، التي كان البعض، وإلى وقت قريب، يعتقد أنها واحة حرية وأمان، يجب ان يكون درسا لكل دكتاتور يعتقد أن وضعه استثنائي وأنه في مأمن من كل خطر، ففي هذا العالم الذي نعيش فيه تسبق الحرية أمور حيوية كثيرة، ولا يمكن استمرار أي نظام قمعي إلى الأبد، فكيف يسمح رئيس لنفسه بالاستمرار في السلطة، وهناك مئات الآلاف الذين لا يجدون ما يسد رمقهم، وكيف يرضى بالبقاء في السلطة من دون انتخاب ولا ديموقراطية ولا خيار شعبي إلى الأبد، خاصة أن اسلوب القتل والضرب أصبح غير مضمون النتائج في عالم اليوم، ونهاية صدام خير مثال، ويفوز فوزا عظيما من اتعظ من أخطاء غيره! لكن الخوف الآن من سيطرة الاحزاب الدينية.