درس ديني من البوسنة

6 مارس  2011

زرت وصديق مدينة سراييفو، عاصمة بوسنيا للصيد، ولكن بسبب البرودة الشديدة لم نوفق في الكثير. استضافنا هناك سعادة السفير محمد خلف، وزوجته الرائعة شذا ببشاشتهما وكرمهما المعهودين، وتبين لنا لاحقا، من خلال اتصالاتنا مع بعض الدبلوماسيين ورجال الأعمال البوسنيين، عمق علاقة السفير وقوة اتصالاته مع جميع أطراف هذه المدينة المتنوعة الأعراق والديانات، بالرغم من أنه لم يكمل سنته الأولى هناك. توفيت رئيسة بروتوكول خارجية البوسنة، وهي أرثوذكسية، ونحن هناك، فشجعنا سفير بوسني متجول على مشاركة السفير خلف في تقديم واجب العزاء لذويها، وان مفاجأة تنتظرنا هناك! تبين بعدها أن سفيرنا كان الدبلوماسي العربي الوحيد في ذلك العزاء، وهذا دليل آخر على نشاطاته الفعالة، أما المفاجأة فتعلقت بظاهرة انسانية رائعة لا يمكن نسيانها، فمقابر البوسنة كبيرة عادة لأنها «مختلطة»، حيث يتم تقبل العزاء فيها للجميع من دون تفرقة بين دين وآخر من خلال صالات مخصصة للمسلمين، وأخرى للكروات الكاثوليك، وثالثة للصرب الأرثوذكس ورابعة لليهود، والأخيرة لغير المؤمنين، أو ربما لأتباع الديانات الأخرى! وعندما سألت صديقي البوسني المسلم عن هذه الظاهرة الغريبة بالنسبة إلي قال انها طبيعية وتفسيرها سهل، فطوال تاريخهم الحديث، على الأقل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الحرب الأهلية الأخيرة، عاش بعضهم مع بعض في سلام مثالي، كما ربطت المصاهرة بين مختلف أعراقهم ودياناتهم وتشاركوا، وهم أحياء، في أموالهم ومشاعرهم وأجسادهم كأصدقاء وشركاء وأزواج وزملاء بعضهم مع بعض لسنوات طويلة، فكيف يمكن قبول تفريق اجسادهم بعد وفاتهم؟ وقال ان الحرب الأهلية التي طحنت البوسنة ومات فيها مئات آلاف الأبرياء وتسببت في خسائر بالمليارات، كانت بسبب المسلمين في المقام الأول! وقال ان هوسنا بضرورة سيادة عقيدتنا دفعت بعض «مفكرينا» وقادتنا وشبابنا لأن يتعصبوا ويثيروا مخاوف الآخر. كما ساهمت أفكار الاخوان المسلمين وأموال «البترودولار» السلفية وأسلحتهم ودعاتهم في اذكاء روح التطرف لدى الجميع من خلال أحزاب دينية متشددة. وقال اننا كنا نضع أيدينا على قلوبنا ونحن نسمع أئمة مساجد دولكم وهم يدعون لأن ينصر الله الاسلام بعلي عزت بيغوفيتش! فهذا السياسي البوسني الطموح، الذي توفي قبل فترة، شارك في اذكاء روح التطرف فينا وتسبب هو وغيره تاليا، في اشعال شرارة الحرب الأهلية التي أحرقت الجميع!
والآن، أليس لدينا عقل لأن نتعلم الدروس من الآخرين؟ ولماذا لا تكون لنا مثلا مقبرة واحدة، وصلاة واحدة على الأقل، بدلا من كل هذه الفرقة والتشرذم اللذين نعيشهما، ولا يستفيد منهما الا القلة المتطرفة في كل جانب؟!