شعب يستحق العيش

26 مارس  2011

قامت مؤسسة استقصاء قبل سنوات بتوجيه سؤال لعدد من المواطنين الأميركيين عن الجهة التي سيقومون بالاتصال بها هاتفيا، في حال حدوث كارثة أمامهم تمنعهم من التحرك، وان ليس في امكانهم اجراء غير مكالمة هاتفية واحدة، وكانت اجاباتهم جميعاً تقريباً انهم سيقومون بالاتصال بأسرهم! وعند توجيه السوال نفسه لعدد مماثل من اليابانيين اجاب الغالبية بانهم سيقومون بالاتصال برئيس عملهم وسؤاله عما يجب القيام به!
وعندما ضرب الزلزال المرعب الأخير السواحل اليابانية، وما رافقه من تسونامي هائل وتسرب نووي مخيف، اضطررت، على غير عادتي، لمشاهدة التلفزيون بكثافة، ومراقبة ورصد ردود فعل هذا الشعب العظيم، والذي كان له الدور الكبير، الذي يجب ألا ينسى في تحريرنا، ولفت نظري عدم رصد وسائل الاعلام لأية حالات نهب وسلب، كالتي شهدتها مدن اميركية وقت اعصار «كاترينا»، كما لاحظت من ردود اليابانيين على أسئلة مراسلي القنوات الفضائية مدى اتسامهم بالهدوء ودقة اتباعهم لتعليمات السلطات وسيطرتهم على مشاعر الذعر والهلع، كما كان لافتاً اهتمامهم الكبير بمن كانوا يعملون معهم أو تحت امرتهم، وما أبدوه من قلق يتسم بوقار شديد، لمصير من فقدوا من أهل، وقلقهم التالي على زملاء العمل وشركائهم، كما شاهدت أكثر من مشهد مؤثر لرجال أعمال التقى أحدهم بعامل يعمل لديه، فاغرورقت أعينهم بالدموع فرحاً، وكيف تعانق آخر مع زميل له في الشركة نفسها وكأنهما اخوين لم يلتقيا منذ سنوات، وكيف ابدى أكثر مر رجل أعمال قلقه على مصير موظفي شركته التي جرفت السيول مصنعه وساوته بالأرض، وما قاله من انه يستطيع العودة لنشاطه السابق بموظفيه وعماله وليس بالمباني والمعدات، وقد بينت لي كل هذه الحوادث الصغيرة، والكبيرة في معانيها، مدى عظمة الياباني وولائه لمكان عمله، مالكا أو عاملاً، وهو الولاء النابع من ولائهم لوطنهم.
ان هذا الشعب الذي عانى الكثير في تاريخه الحديث من الكوارث وابادة شبه جماعية في الحرب العالمية الثانية، عندما القيت على مدنه قنبلتان نوويتان تسببتا في مقتل وتشويه ابدي لمئات الآلاف، والذي أصبح بعدها أكثر ميلا للسلام العالمي، ومحبا للحرية، والذي يمنعه دستوره من المشاركة في اية عمليات حربية خارج ترابه، أصبح في فترة قياسية ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، على الرغم من افتقاره لكل الموارد والثروات الا العنصر البشري، وكما خرج من تحت رماد هيروشيما وناكازاكي شامخاً، سيرتفع من خلال انقاض الزلزال والكارثة النووية والتسونامي اقوى مما كان، ولكن هذا لا يعني انه لا يحتاج لنا، وعلينا جميعاً ان نمد له يد العون من خلال الحملة الوطنية لمساعدة الشعب الياباني.