الدرس الياباني

14 ابريل  2011

يميل الياباني، رغم أدبه الجم وأخلاقه العالية وأمانته ونظافته الى الكتمان، ويصعب بالتالي معرفة حقيقة مشاعره بسبب القناع غير المرئي الذي يضعه على وجهه. كما أن اليابانيين يؤمنون عموما بأنهم أفضل من غيرهم بدرجات، وبالتالي لا تمنح الدولة جنسيتها للغير عادة. كما كان الشعب الياباني طوال تاريخه، والعسكري بالذات، يتصف بقسوة كبيرة، وعانت شعوب كثيرة في جنوب شرق آسيا من فظائعهم ومذابحهم واعتداءاتهم الوحشية، ولكن نقطة التحول الرهيبة في تاريخ اليابان الحديث بدأت مع دخول اليابان الحرب العالمية الثانية إلى جانب المانيا وما تبع ذلك من هجومها الجوي على سواحل أميركا في «بيرل هاربر»، الأمر الذي أثار غضب أميركا ودفعها الى إسقاط قنبلتين نوويتين على هيروشيما ونكاساكي ومن بعد ذلك احتلال اليابان وتعيين الجنرال ماك آرثر حاكما عسكريا. وقد كان لماك آرثر الدور الأكبر في خلق صورة اليابان الحديثة، فقد فرض مجموعة من قيمه الغربية على طريقة الحياة اليابانية، وأحدث تحولا هائلا في طريقة التربية، ونتج عن ذلك خلق مفاهيم ومعتقدات جديدة نتج عنها جيل مختلف في طبائعه وأخلاقه ومثله، بحيث أصبح الياباني اكثر ميلا للسلام وإلى المساهمة في مساعدة الغير، بعد ان تخلى تماما عن نزعاته الشوفينية وقلل من دور الدين في حياته وتخلى عن فكرة ألوهية الإمبراطور، وغير ذلك الكثير الذي ساهم في عظمة اليابان الحديثة. وقد بينت الكارثة الأخيرة، التي أصابت هذه الدولة المتقدمة، بعضا من طبائع الشعب الياباني النبيلة، حيث شاهدنا أن طرق تعبيرهم عن أحزانهم عادة ما تكون متحفظة، فلا شق جيوب ولا نتف شعر وضرب صدور وصراخ حتى لمن فقدوا أسرهم بكاملها، كما لم تسجل اي احداث نهب وسرقة وسلب. كما رأينا كيف يقف الياباني في طوابير الأكل والشرب دون تذمر أو تجاوز، وسجل صحافي غربي استغرابه الشديد عندما انقطعت الكهرباء عن سوبر ماركت كان يتواجد فيه، وكيف أن الزبائن أعادوا للأرفف ما بأيديهم من مواد وغادروا بهدوء دون تذمر أو سرقة شيء، وغير ذلك من التضحيات والتصرفات البالغة الدلالة.
فإذا كان بالإمكان تغييرعادات وتقاليد ومثل وأخلاق شعب بكامله من خلال مقررات دراسية، فلماذا لا نستفيد من هذه التجربة الناجحة بكل المقاييس؟ ألا تستحق دولنا جنرالا مثل ماك آرثر أو حتى «ماك موسى كوسا»؟